أتى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لمشاركة اللبنانيين بالذكرى المئوية لولادة لبنان الكبير، متحدثًا، بإسم المجتمع الدولي – بإعتبار أن لفرنسا دوراً تاريخيًا وتربطها علاقات مميزة بمعظم المكونات السياسية والدينية في لبنان – للمسؤولين الرسميين: استمعوا إلى الشعب وشكلوا حكومة تحظى بثقته اولاً وبثقة المجتمع الدولي فتكون بمثابة المفتاح لصندوق المساعدات المالية المرصودة للبنان من أجل تنفيذ الإصلاحات التي تعهد بها.
الرئيس ماكرون أتى إلى لبنان، مرتين خلال شهر واحد، ليس كرئيس لفرنسا فقط، وإنما كممثل عن المجتمع الدولي الذي «بحّ صوته» وهو يطالب بالإصلاحات، لكن من دون جواب، فلم يبق إلّا الفرنسي إنطلاقًا من علاقاته التاريخية بلبنان أن يُفهم المسؤولين أن «زمن الأول تحوّل» وأن لا مساعدات مالية من دون إصلاحات جوهرية يحتاجها لبنان.
قبل الرئيس الفرنسي، كان ديفيد هيل، نائب وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية، زار لبنان محمَّلاً برسالة واضحة وصريحة «لبنان سيتلقى الدعم المالي عندما ينفذ قادته إصلاحات، والإستجابة لمطالب شعبهم المتعلقة بحسن الادارة وإنهاء الفساد، وعندما نرى إلتزام المسؤولين اللبنانيين بالتغيير الحقيقي بالقول والفعل فتستجيب أميركا وشركاؤها الدوليون لتلك الإصلاحات المنهجية بدعم مالي مستمر».
تفجير مرفأ بيروت الكارثي، شكّل مناسبة لتوافد عدد كبير من المسؤولين العرب والأجانب، الذين قدموا دعماً مادياً ومساعدات للمواطنين المنكوبين، عبر مؤسسات وجمعيات خاصة واهلية، شرط عدم المرور بالمؤسسات الرسمية بعدما بات الفساد صيغة ملازمة لها، ووزعوا أيضاً رسائل في إتجاه الرئاسات الثلاث والمسؤولين بضرورة إتباع الإصلاح منهاجاً لعملهم ومن دون ذلك لا مساعدات ولا قروض ولا مؤتمرات دعم.
هذا التطابق في الرسائل يؤكد أن المجتمع الدولي، الذي يفترق في المواقف تجاه ملفات عدة، يُجمع في الملف اللبناني لجهة عدم فتح حنفية المساعدات قبل البدء بورشة الاصلاحات التي تعهّد بها المسؤولون قبل كل مؤتمرات الدعم ولم يفوا بالتزاماتهم أبداً.
زيارة الرئيس ماكرون تزامنت مع إحتفال لبنان بالذكرى المئوية الأولى لولادته. مائة عام من الدماء والحروب والأوجاع والدموع لم تتمكن من حجب محاولات بناء دولة حديثة ونجاح إقتصاد وإزدهار شعب وقيام قطاع خاص فاعل ومؤثر وقيادات اسهمت في بناء مؤسسات محلية، إقليمية ودولية، تمكن هذا البلد الصغير من أن يتحول، في فترة سابقة إلى الموقع الاقتصادي والثقافـي والاستشفائي والمصرفـي والعلمي… الأول في هذا الشرق.
هذا الوطن الصغير هو ضحية الجغرافيا. لقد وُلد في بيئة جغرافية تتآكلها الأزمات السياسية والحروب الدينية. فمن الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني إلى النزاعات بين دول الشرق الأوسط، إلى حركات الإرهاب والتطرف الديني، إلى محاولات وضع اليد عليه من دول الجوار كافة… يقتلونه كل يوم لكنه يرفض أن يموت.
يسعى لبنان اليوم إلى مئوية جديدة وسط كم هائل من الخراب والدمار بفعل إنفجار المرفأ، الذي قادنا إلى موت جماعي. مئوية نريدها قائمة على الإصلاح والمواطنة الحقة والحياد الإيجابي… وبناء دولة مدنية تفك ارتباطنا بالماضي وتأخذنا إلى المستقبل بحيث نصبح مواطنين لا رعايا تابعة لمنظومات طائفية أو مذهبية أو حزبية.

