تلعب الشركة المركزية لإعادة التأمين دورًا مهماً في تنمية قطاع التأمين، في المغرب والإقليم، من خلال عملها ونشاطها ومبادراتها الرائدة وكذلك قدراتها المالية والمهنية والتقنية العالية.

السيد يوسف فاسي فهري، مدير عام الشركة، يتحدث عن تأثيرات جائحة كورونا على قطاع التأمين، وكيفية تفاعل المركزية لإعادة التأمين معها وتعاملها مع تداعياتها بروح استشرافية واستباقية، إضافة إلى الأرقام المحققة.

* حلّ كوفيد-١٩ وباءً ثقيلًا على اقتصادات العالم مخلفًا وراءه ضحايا بشرية وخسائر مادية هائلة…

كيف تلخصون تأثيرات هذا الوباء على قطاع اعادة التأمين؟

هذا صحيح، كوفيد١٩ كان وباءً ثقيلاً جدًا على الجميع وعلى كل المستويات. فعلى الصعيد العالمي، في كل الدول، وكل القطاعات الاقتصادية، شكّلت جائحة كوفيد١٩ العنوان البارز لسنة ٢٠٢٠. فقد غطت على جميع الأحداث وأجبرت الجميع على التعاطي معها بكل حزم وعلى التكيّف معها. وقطاع التأمين وإعادة التأمين لم يشكل استثناءً، بل بالعكس، كان في قلب الحدث بالنظر إلى أهميته وأدواره في المجتمع والاقتصاد على السواء. وكغيره من القطاعات الاقتصادية، لم يسلم قطاع التأمين وإعادة التأمين من تداعيات هذه الأزمة الصحية والإنسانية غير المسبوقة. إلا أنه يجب تسجيل أن قطاع التأمينات أبان على صلابة كبيرة في وجه الأزمة، وبرهن عن مرونة مكّنته من الحفاظ على سلامته، وذلك رغم الحجم غير المسبوق للأزمة الصحية وتداعياتها. ويتجلى ذلك على الخصوص في تمكّن شركات التأمين وإعادة التأمين من الوفاء بالتزاماتها، في ظل هذه الظرفية الصعبة وتمكّنها من اتخاذ ما يلزم من التدابير من أجل ضمان استمرار خدماتها للمُؤَمنين.

وفي هذا الصدد، تم اتخاذ العديد من الإجراءات، ليس فقط على المستوى الوطني ولكن على المستوى الدولي أيضًا، بغرض تمكين قطاع التأمين وإعادة التأمين من الوفاء بالتزاماته إزاء الشركاء والمؤمنين.

* كيف تفاعلت الشركة المركزية لإعادة التأمين في المغرب مع الوضع الجديد الذي فرضته الجائحة؟ هل يمكن أن تحدّثونا عن تجربتكم الخاصة في هذا المجال؟

اسمحوا لي أولاً، قبل الحديث عن هذا الجانب، أن أقدم لكم نبذة مختصرة عن الشركة المركزية لإعادة التأمين، والمهام التي تضطلع بها باعتبارها الفاعل التاريخي والرئيسي لإعادة التأمين بالمغرب، ومن الرواد التاريخيين المؤسسين لهذه المهنة على الصعيدين العربي والإفريقي، والتوسع الكبير الذي عرفته على المستوى العالمي، إذ يشمل نطاق نشاط الشركة أكثر من ٥٠ دولة، خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط والهند والصين.

فالشركة التي تحتفل اليوم بمرور ستين سنة على إنشائها، وضعت دوما نصب عينيها، كهدف رئيسي، المساهمة في تنمية السوق الوطنية للتأمينات والحصول على أفضل الشروط بالنسبة لجميع العمليات الوطنية لإعادة التأمين، وبالتالي تقليص نفقات المغرب من العملات الصعبة في هذا المجال. وبفضل تجربتها الطويلة وخبرتها ومعرفتها الجيدة بالأسواق الدولية لإعادة التأمين، فإن الشركة المركزية لإعادة التأمين تمكّنت من وضع السوق المغربية في منأى عن التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية في مجال شروط إعادة التأمين.

أما على الصعيد الإقليمي، فقد لعبت الشركة المركزية لإعادة التأمين دورًا طلائعيًا في تأسيس وتطوير وهيكلة وتنشيط قطاع إعادة التأمين، من خلال مساهمتها في خلق شركات إقليمية أساسية، كالشركة العربية لإعادة التأمين والشركة الإفريقية لإعادة التأمين ومساهمتها كذلك في إحداث العديد من المنظمات الإقليمية كالاتحاد العام العربي للتأمين والمنظمة الإفريقية لإعادة التأمين. وتجدر الإشارة أيضًا في هذا الصدد إلى أن الشركة تتولى تدبير المركز الإفريقي لأخطار الكوارث في إطار المنظمة الإفريقية للتأمين، إضافة إلى تجمع النقل الجوي التابع للفيدرالية الأفروآسيوية للتأمين وإعادة التأمين.

لنعد إلى تفاعلنا مع الأوضاع التي فرضتها جائحة كوفيد ١٩، فمنذ بداية الأزمة الصحية أعلنت الشركة المركزية لإعادة التأمين حالة الطوارئ وتعاملت بروح استشرافية واستباقية.

وفي هذا السياق اعتمدنا مخططاً لاستمرار النشاط. وعملنا بحزم من أجل ضمان استمرار خدمات الشركة لزبنائها سواء في المغرب أو عبر العالم، عبر اعتماد مجموعة من التدابير الاحترازية. كما حرصنا على توفير كل الوسائل والظروف اللازمة لتنفيذ مخطط استمرار النشاط على الوجه الأمثل وبشكل استعجالي وفعال.

هكذا، ومنذ بداية الأزمة الصحية في المغرب، حرصت الشركة المركزية لإعادة التأمين على احترام التوصيات والتدابير التي اعتمدتها وزارة الصحة المغربية ومنظمة الصحة العالمية، كما حرصت على احترام كل التدابير الضرورية لحماية وسلامة مستخدميها. وحرصنا على التطبيق الصارم لمجموعة من الإجراءات: احترام التباعد الاجتماعي، ضمان توفير الكمامات الواقية ومواد التنظيف والتعقيم، ضمان التهوية الكافية والنظافة المستمرة لأماكن العمل.

كما نجحنا، بفضل مرونة نظامنا المعلوماتي، في رفع التحدي الأكبر الذي واجهناه خلال هذه الأزمة، والمتمثل في الانتقال بشكل سريع وفعال إلى العمل عن بعد، وذلك منذ بداية الأزمة الوبائية، ووصلنا في هذا الصدد إلى نسبة ٨٠٪ من إجمالي مستخدمي الشركة. كما أولينا اهتمامًا خاصًا لتعزيز القيم الأساسية، فالظرفية التي نعيشها قوّت تماسكنا وزادتنا قوة داخل الشركة.

* هل يمكن الحديث عن ايجابيات على قطاع اعادة التأمين في ظل أزمة كوفيد-١٩؟

كوفيد وضعت القطاع أمام تحديات غير مسبوقة، ووضعت مرونته وقدرة تفاعله على المحك بشكل لا نظير له. وقد تمكّن القطاع بشكل عام من اجتياز هذا الامتحان الصعب بنجاح، ومن تطوير ذاته وآلياته واستشراف المستقبل برؤى استراتيجية متفائلة. وهذا في حد ذاته من أكبر الإيجابيات.

فقد خلق سياق الأزمة الصحية نقاشًا كبيرًا حول دور ومكانة قطاع التأمين وإعادة التأمين ومهامه وآفاق تطوره وآليات استشراف واستباق المخاطر والسبل الناجعة والفعالة لمواجهتها. ومن أبرز المواضيع التي تصدرت هذا النقاش التحوّل الرقمي والعمل عن بعد و”البيغ داتا” وضرورة إعادة تكييف مختلف أوجه النشاط والمنتجات والعلاقات مع الشركاء مع الواقع الجديد للعمل عن بعد والمعطيات العامة والسلوكيات التي فرضتها الأزمة الصحية.

ومن بين التداعيات الإيجابية لخطط مواجهة كوفيد١٩، أود الإشارة بشكل خاص إلى تسريع التحول الرقمي، ليس فقط بالنسبة للتأمينات، وإنما للاقتصاد والمجتمع. وفي هذا الخصوص، فإن التحول الرقمي قد مكّن شركات التأمين وإعادة التأمين من تحسين فعالية عملياتها وتحفيز نموها، مع إدخال أنماط جديدة للعلاقة مع العملاء، الشيء الذي أحدث تطورات عميقة في نماذج اشتغال الشركات، وفي العلاقات بين شركات التأمين وشركات إعادة التأمين والمؤمنين.

وبشكل عام، فقد وضعت الأزمة الصحية كل مكونات قطاع التأمين وإعادة التأمين أمام رهانات جديدة، يمكن جمعها تحت عنوان كبير، ألا وهو رهان “بناء قطاع إعادة تأمين أكثر مرونة واستدامة، وأكثر قدرة على التأقلم وعلى مواجهة الهزات والتحولات العنيفة والمباغتة”.

* ماذا عن منحى الأسعار والشروط للتجديدات؟ لا سيما في ضوء الخسائر الكبيرة التي تكبدتها شركات إعادة التأمين بفعل جائحة كوفيد ١٩؟ وكيف تستشرفون الآفاق في ظل الأوضاع الحالية والمؤشرات التي تتو عنها؟

أمر عادي وطبيعي، في ظل هذه الظروف، أن تكون هناك زيادات في الأسعار وتشدد في الشروط بالنسبة لبعض عمليات إعادة التأمين، وما يترتب عن ذلك من مفاوضات صعبة مع العملاء. غير أن الأنظار تتجه الآن إلى إمكانيات التلقيح ضد كوفيد١٩، والتي ستخفف كثيرًا من الوقع على سوق التأمين وإعادة التأمين. وفي هذا الصدد، نتوقع العودة التدريجية إلى أوضاع عادية خلال سنة ٢٠٢٢.

ونستبشر خيرًا من انطلاق حملات التلقيح في العديد من الدول عبر العالم، والذي نترقب منه أن يُمَكِّن من العودة إلى حياة عادية بشكل تدريجي ومن إعطاء دفعة قوية لمعاودة النشاط الاقتصادي خلال الأشهر المقبلة.

ويتمثل رهاننا الأول في الأشهر القادمة هو النجاح في التدبير والحفاظ على التوازن المالي للشركة، وكذلك المساهمة بشكل فعّال في التخفيف من أثار الصدمة ودعم إقلاع قطاع التأمين وإعادة التأمين بشكل خاص، والاقتصاد بشكل عام.

* بالنسبة للشركة المركزية لإعادة التأمين، كيف تقرؤون مؤشرات أدائها، وكيف ترون آفاق نموها المستقبلية؟

بشكل عام، الآفاق واعدة بالنسبة للشركة المركزية لإعادة التأمين.

فعلى المستوى الوطني، نعقد آمالاً كبيرة في أن يشكل دخول العمل بإجبارية التأمين على جميع الأخطار المتعلقة بالأوراش والمسؤولية المدنية العشري خلال سنة ٢٠٢١، رافعة جديدة بالنسبة لنمو الشركة المركزية لإعادة التأمين، بالإضافة إلى الانطلاق المرتقب لنشاط التأمين وإعادة التأمين التشاركي “التكافل” و”ري تكافل”.

كما تجدر الإشارة إلى أن قطاع البناء عرف تطورًا كبيرًا في المغرب، وقد حان الوقت لكي تتم مواكبة هذا التطور بتطور مماثل في مجال التأمين على المباني. وفي هذا الإطار، تعدّ إجبارية التأمين على جميع الأخطار المتعلقة بالأوراش والمسؤولية المدنية العشري من التطورات ذات الأهمية البالغة سواء بالنسبة للاقتصاد بشكل عام أم بالنسبة لقطاع البناء والأشغال العمومية بشكل خاص.

أما في ما يخص المنتج التأميني “التكافل” الذي سيعزز سوق التأمين وإعادة التأمين في المغرب، فسيشكل خطوة إضافية في اتجاه استكمال سوق مالي تشاركي في المغرب.

وأخيرًا، يمكن أن ندرج في هذا السياق المجال الجديد لتغطية “المخاطر السبريانية” المرتبطة باستغلال المعطيات. وأود هنا أن أشير إلى أن دورنا يكمن بشكل أساسي في إنذار زبنائنا وتحسيسهم بهذه المخاطر الجديدة، وأن نقترح عليهم الحلول المناسبة لمواجهتها، ويمكن للعروض الملائمة للمخاطر السبريانية أن تشكل رافدًا حقيقيًا لدعم نمو قطاع التأمين وإعادة التأمين.

تكتسب هذه الأصناف من التأمينات أهمية خاصة، سواء بالنسبة للقطاع أم بالنسبة للاقتصاد بشكل عام، ومن شأنها أن تساهم بشكل كبير وفعّال في دعم عجلة نمو قطاع التأمين وإعادة التأمين في الأعوام المقبلة.

أما على المستوى الدولي، فكما سبق أن قلت، تمارس الشركة نشاطها في نحو ٥٠ دولة عبر العالم، وتتوفر على ثلاث مكاتب اتصال في كل من رواندا ومصر وكوت ديفوار، بالإضافة إلى مساهماتها في شركات إقليمية ومهامها في التكتلات المهنية على الصعيد الإقليمي. كما يشكّل تعزيز التوسع الدولي لنشاط الشركة والارتقاء بدوره كرافعة للنمو أحد أبرز محاور المخطط التنموي الجديد من أجل التحول الاستراتيجي للشركة خلال الثلاثة أعوام المقبلة.

وعلى صعيد تعزيز القدرات الداخلية للشركة، تم اعتماد النظام الجديد لتدبير مخاطر المقاولة ERM، إضافة إلى إطلاق “أكاديمية الشركة المركزية لإعادة التأمين”، الشيء الذي مكّن من تعزيز دور الشركة المركزية لإعادة التأمين كمركز للخبرة التقنية في خدمة شركات التأمين على الصعيدين الوطني والإقليمي.

باختصار نحن مستعدون للمستقبل، ونقف على عتبة فترة جديدة من النمو والازدهار.

* وختامًا، هل من مؤشرات كمية أو نوعية حول الأداء العملي للشركة المركزية لإعادة التأمين وإنجازاتها؟

الشركة في وضعية جيدة ومريحة رغم ظرفية الأزمة الاقتصادية. والدليل على ذلك تجديد وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني، في شهر حزيران/يونيو ٢٠٢٠، أي في أوجّ الأزمة الصحية، تصنيفها للشركة المركزية لإعادة التأمين بمنحها تنقيط AAA (المغرب) بأفق مستقر، إضافة إلى حصول الشركة، في شهر كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٠، على تصنيف ++B (جيد) بأفق مستقر من قبل الوكالة الدولية المتخصصة في قطاع التأمينات “أم باست”. وتعكس التصنيفات الائتمانية صلابة الوضعية المالية للشركة المركزية لإعادة التأمين وأهمية إنجازاتها العملية، وتدبيرها المناسب لمخاطر المقاولة.

أما بالنسبة للتموقع على المستوى الإقليمي، فقد صُنفت الشركة المركزية لإعادة التأمين أول شركة لإعادة التأمين في إفريقيا من حيث النتائج الصافية، كما صُنفت في المرتبة الثالثة من حيث رقم المعاملات برسم سنة ٢٠١٨ من طرف مجلة أطلس (Atlas Magazine) المتخصصة في قطاع التأمين في إفريقيا والشرق الأوسط. وتم نشر هذا الترتيب على هامش الجمع العام لفدرالية شركات التأمين المؤسسة وفق القانون الوطني الإفريقي (FANAF)، والذي انعقد خلال الفترة من ١٧ إلى ٢٠ شباط/فبراير ٢٠٢٠ في لبروفيل في الغابون.

وتجدر الإشارة إلى أن الشركة المركزية لإعادة التأمين واصلت تسجيل نتائج عملية جيدة خلال السنوات الأخيرة، رغم الظرفية الاقتصادية الصعبة وحققت مردودية تقنية عالية مع تحصيل عائد استثمار جيد. وفي هذا السياق بلغت أقساط التأمين الصادرة للشركة المركزية للتأمين ٢١٠،٢٨ مليون دولار، فيما بلغت نتيجتها الصافية ٢٨،٩٧ مليون دولار، خلال سنة ٢٠١٩. ونتوقع أداءً جيدًا خلال ٢٠٢٠ في ظل أزمة كوفيد ١٩.

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة