مع دخولنا الشهر الخامس لتفشي فيروس كورونا حول العالم، يبدو أن العالم بدأ يتجه إلى المرحلة الثانية في التعامل مع الوباء، وهي مرحلة «التعايش» التي تتنبأ بعودة إلى الحياة اليومية، مع فيروس بلا لقاح إذ تنخفض مستويات الإصابات والوفيات في الكثير من البلدان، وتُخفّف إجراءات الإغلاق القاسية التي نفّذت خلال الأشهر الماضية، تدريجياً بعد تنامي الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن العزلة يومًا بعد يوم. لكن المشكلة الأساسية لا تزال موجودة؛ فالفيروس المُعدي مازال طليقًا، وكلما زاد اختلاط البشر ازداد انتشارًا.
وللتعايش مع المرحلة الثانية من جائحة «كورونا»، يجب وضع العديد من الاستراتيجيات كإجراء الفحوص بانتظام على نطاق واسع واعتماد أدوات، مثل الكمامات؛ لتكون أحد اللوازم الأساسية لمغادرة المنزل، و«التباعد الاجتماعي قدر الإمكان»، إذا كانت المرحلة الأولى تتعلّق بحماية الأرواح وأنظمة الرعاية الصحية فستطرح المرحلة التالية أسئلة شائكة تتعلّق بتكلفة إعادة الناس إلى العمل، والتي سيكون بها على الأرجح زيادة في عدد الوفيات.
فمن المحتمل جدًا أن يكون كورونا وباءً يتعايش معه البشر فترة طويلة، ويصبح موسميًا ومستمرًا بالتواجد داخل الأجسام البشرية، ليرسّخ فكرة التعايش مع الوباء.
فقد ظهرت لنا عدة علامات أخرى، تدل على دخولنا مرحلة التعايش معه والتي قد ترسم الجزء الثاني من رحلة الإنسانية مع الوباء الجديد.
من أبرز تلك العلامات إقبال دول عديدة ممن تفشى فيها الفيروس التاجي على تخفيف الإغلاقات، ورفع القيود على التجارة، وعلى الحركة، من دون الاستناد إلى انخفاض حقيقي في أرقام الإصابات.
ومن أبرز الدول الأوروبية التي أعلنت بدء تخفيف الإغلاقات ألمانيا، التي نجحت في احتواء الوباء نسبيًا، لتعلن فتح المحال التجارية، والحدائق العامة والملاعب، بشكل تدريجي.
أما رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب فأشار إلى أن الوقت قد حان لشرح كيف سيتم تخفيف الإغلاق تدريجيًا، مشيرًا إلى أنه على الفرنسيين أن يتعلموا التعايش مع الفيروس وحماية أنفسهم.
ومثلها، شهدت عدة ولايات في أميركا تخفيفًا للإغلاقات، في وقت تسجل فيه البلاد الإصابة رقم مليون بكورونا، في تباين واضح بين حال الوباء، والإجراءات.
كما أشير إلى انه من العلامات الأخرى التي تتنبأ ببقاء الفيروس في حياتنا أطول مما قد نتوقع طبيعة الفيروس، التي كشف عنها العلماء مؤخرًا إذ قال مجموعة من الباحثين في مجال الفيروسات إنه ليس من المرجح أن «يختفي» فيروس كورونا المستجد بالطريقة التي حدثت مع فيروس سارس قبل ١٧ عامًا، وذلك لأن كورونا قادر على الدخول إلى جسم الإنسان وعدم التسبب بأي أعراض، على عكس سارس.
ويعني هذا أنه سيكون من الصعب حصر حالات الإصابة جميعها، وإدخالها في الحجر الصحي لمنع انتشار الفيروس، كما أن جميع العلامات والبيانات الرسمية من الجهات المختصة تشير إلى أن التوصل إلى لقاح مضاد لفيروس كورونا سيستغرق وقتًا طويلاً.
فقد ذكرت وكالة الأدوية الأوروبية في بيان لها أنها «تقدّر أن يستغرق الأمر عامًا واحدًا على الأقل، قبل أن يصبح اللقاح ضد الفيروس جاهزًا لنيل الموافقة، ومتوافرًا بكميات كافية للاستخدام على نطاق واسع»، وهذا ما أكدته أيضا منظمة الصحة العالمية أن تطوير اللقاح سيستغرق عامًا على الأقل.
وأشير هنا إلى أننا لا نعيش في المرحلة الأخيرة من الوباء، لأننا مازلنا في المرحلة الأولى، ولكن سيتعين علينا العيش مع هذا الفيروس فترة طويلة، فهذا يعتبر تحديًا كبيرًا لأنه يحدّ من حقوق واحتياجات الحياة.

