- تموز/يوليو رقم 344 - المراقب التأميني

هل سيتعافى الاقتصاد العالمي ومتى؟

تمّت الإشارة من العديد من الجهات بأن انتهاء تفشّي فيروس كورونا وإنهاء الإغلاقات الاقتصادية التي قامت بها الدول، سيكون سببًا لعودة النمو الاقتصادي القوي والسريع. ورغم توقّع انكماش اقتصادي في العديد من الدول العظمى والكبرى حول العالم، إلا أن هنالك تفاؤل كبير بين المتابعين للاقتصاد العالمي من أن الاقتصاد سيعود للنمو بوتيرة كبيرة جدًا، خلال الربع الثالث واستمرار النمو خلال الربع الرابع من هذه السنة.

لنفترض الآن بأن انتشار الفيروس توقّف انتشاره مع نهاية الشهر الجاري، وعادت الحكومات بشكل تدريجي وتم فتح الاقتصاد، فهل فعلاً سوف تنتهي الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها الفيروس؟ في الحقيقة، من المستبعد أن نرى تعافـي اقتصادي تام، وهنا يجب أن نفرّق بين النمو الاقتصادي الذي قد يمكن ان يحدث، وبين حقيقة وضع الاقتصاد بعد انتهاء تفشّي فيروس كورونا.

فكل يوم يمر على العالم مع استمرار الإغلاقات الحكومية واستمرار انتشار الفيروس، هنالك تهديد بأن تفلس المزيد من الشركات، وأن يفقد الآلاف وظائفهم حول العالم.

فبعد انتهاء انتشار فيروس كورونا، سيقف العالم أمام ارتفاع كبير في معدلات البطالة، وإعلان العديد من الشركات إفلاسها. لكن في الوقت نفسه، ربما لن يظهر التأثير مباشرة على قيم الناتج المحلي الإجمالي، فخطط التحفيز الحكومية الهائلة التي وصلت قيمتها في الولايات المتحدة وحدها لأكثر من ٢،٢ ترليون دولار، إلى جانب التحفيزات التي تقوم بها البنوك المركزية حول العالم، كلها أسباب قد تدير عجلة الاقتصاد من خلال قطاعات محددة فيه وربما يعود النمو الاقتصادي بشكل سريع.

فعلى سبيل المثال القطاع العقاري تأثر شأنه شأن كل القطاعات في كل الدول بسبب كورونا، ويصعب توقع المستقبل في ظل عدم وضوح الرؤية حول انحسار المرض، مع وجود احتمالية لكل السيناريوهات، حيث ان الظروف الحالية والتخوفات حول المستقبل القريب، ستؤدي إلى تراجع في الطلب على عدد من السلع كالعقارات والسيارات، أو حتى الأجهزة المعمرة، بسبب أولوية الطلب.

وعلى الصعيد العالمي لا تزال العديد من مؤشرات الأسهم متراجعة بأكثر من ٢٠ في المئة عما كانت عليه في بداية العام. وأدى التراجع الحاد في أسعار النفط، بسبب انخفاض الطلب وحرب الأسعار بين المنتجين، إلى تفاقم المشاكل في أسواق المال، فعلى الرغم من التحفيز النقدي والمالي، نتوقع أن تبقى تقلبات الأرباح ضبابية بسوق الأسهم والسندات طالما لا يزال من غير المعروف مدة وتأثير فيروس كورونا.

والسؤال هنا هل النمو الاقتصادي الذي ربما يحصل بعد توقّف انتشار فيروس كورونا سيدل على زوال الضعف الاقتصادي؟ الجواب المختصر هو لا، حيث ان ارتفاع نسب البطالة سيغيّر القدرة الشرائية للمجتمع، كما أن توقّف أعمال الشركات سيسبب ضعفًا في الإنتاجية، وهنا ندخل حلقة مفرغة، بين ارتفاع البطالة وانخفاض الدخل، ثم انخفاض الطلب على منتجات الشركات، بالتالي مزيد من الضغط على الشركات ومزيد من التسريح في الأعمال، لترتفع أكثر نسب البطالة.

كما تجدر الإشارة الى أن التحفيزات الحكومية وتحفيزات البنوك المركزية تعتبر عاملاً سيقلل من عمق الركود الاقتصادي، لكن هذا لا يعني بأنها قادرة على إعادة التوازن سريعًا في الاقتصاد الدولي في وقتنا الراهن، ربما تكون الأضرار محدودة نوعًا ما، وربما لن تطول الفترة الزمنية حتى تعود فيها الظروف للاستقرار. لكن كلما طالت الفترة الزمنية التي تقوم فيها الحكومات بالإغلاقات، إلى جانب استمرار انتشار الفيروس، سيكون من الأصعب السيطرة على الركود الاقتصادي الذي دخله الاقتصاد العالمي بالفعل.

من هنا أشير الى أنه لا يمكن أن نراهن الآن على أن يتعافى الاقتصاد العالمي بشكل تام بعد توقّف انتشار الفيروس، بل يجب أن ننظر بأن كل يوم من الإغلاقات الحكومية، سيكون تأثيره كبير على الاقتصاد العالمي.

ويمكننا القول ان التوجه العالمي الآن هو بعودة النشاط الاقتصادي، بضوابط جديدة تتعايش مع استمرار وباء الكورونا. وهنالك بوادر عديدة تشير إلى ذلك، منها ان عدد الذين يشفون يوميًا بدأ يزيد على عدد الذين يصابون.

بعبارة أخرى، عودة النشاط الاقتصادي باستحياء. كل هذا يشير إلى أن عالم خلال وما بعد كورونا هو حتمًا غير عالم ما قبل كورونا.

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة