عندما تكثر الأحاديث والآراء حول وضع معيّن يصيب القارئ او المستمع وشوشة تفسد الفهم والقصد.
ومن الصعب إدراك ما يخبئه الغد ما لم ننظر الى الأمس بعين الوصف من دون التعمّق في التحليل او النتائج.
العالم بأسره حمل في عام ٢٠١٨ عناوين عريضة تتعلّق باقتصاده وماليته ونقده، ويمكن تلخيص هذه العناوين بأربعة هي:
أـ التوتر التجاري بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وانعكاس ذلك على مجمل الاقتصاد العالمي. الصين ماضية في فتح أسواق جديدة لها ضمن ما يعرف بطريق الحرير والولايات المتحدة لن تقبل ان تتوقف أسواقها عن إعادة تدوير الفائض النقدي لدول العالم.
ب ـ تغيير اتجاه حركة رؤوس الأموال: بعدما توجهت الأموال من أسواق الدول المتقدمة ولاسيما من أميركا وأوروبا الى الأسواق الناشئة نتيجة الأزمة العالمية في عام ٢٠٠٨، تعود رؤوس الأموال اليوم الى البلدان المتقدمة مع تعافي اقتصادات هذه الدول مع ما رافق ذلك من ارتفاع في معدلات الفوائد ولاسيما في الأسواق الأميركية.
ج ـ تراجع أسعار النفط: لم يكن التراجع طفيفًا اذ تدّنى مما يقارب ١٢٠ دولارًا الى ما دون الـ ٥٠ دولارًا مع انعكاس ذلك ايجابًا على كلفة الإنتاج في البلدان الصناعية وسلبًا على الدول المصدّرة للنفط وبخاصة في الدول الناشئة والدول النامية سواء في أميركا اللاتينية او منطقة الخليج العربي.
د ـ الثورة على الدولار الأميركي: تداولت الأسواق دراسات وآراء وتمنيات أن يستبدل الدولار بعملة او عملات أخرى تحدّ من حجم التداول أو الادخار العالمي بالدولار وتساهم في إيجاد أسواق نقدية ومالية جديدة، غير ان هذه بقيت أوهامًا على الأقل حتى تاريخه ولا يرى العالم عملة تكون بديلة من الدولار في المدى القريب او حتى المتوسط.
وإزاء هذه المؤشرات يرى رجال الاقتصاد والمال ان تحديات المرحلة المقبلة تكمن أيضًا في أربعة عناوين هي:
١ـ المخاطر الجيوسياسية: وقد تكون معالمها واضحة في منطقة الشرق الأوسط من غير ان تقتصر عليها، فهنالك مؤشرات في الشرق الأقصى والأدنى وفي أوروبا تجعل هذه المخاطر مرتفعة في تأثيرها على الانتظام العام للاقتصاد العالمي.
٢ـ القرارات الشعبوية: يكون لهذه القرارات مخاطر اضطراب التوازن في مصادر الأموال واستعمالاتها، اذ ان التفكير بأساليب غير موضوعية وعليمة نزولاً عند رغبة الشارع يفسد التخطيط الصحيح معناه ومفاعيله وتصبح الأنظمة الحاكمة أسيرة رضى الفوضى الشعبية. هذا لا يعني ان تتوقف الدول عن معالجة أوجاع شعوبها لكن ضمن تحليل علمي وقرارات علمية عميقة بعيدة عن الغوغائية.
٣ـ المديونية العامة: تصل المديونية العامة في بلدان كثيرة الى حدود يصعب اطفاؤها وتصبح عبئًا على الاقتصاد وكلفة الإنتاج. تشير المعلومات الى أن الدول المثقلة بالديون تعاني ضعفًا في إدارة ماليتها وتشكو من فساد وهدر في الأموال العامة حيث باتت النتائج في كثير من الدول تظهر في اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، واذا كان صحيحًا ان معدلات الفقر تدّنت على مستوى العالم فإن نسبة التمركز في الغنى ارتفعت ايضًا بحيث أصبح اليوم ٥٠٪ من الثروات في أيدي ٥٪ من الأفراد و٥٠٪ من الأفراد يملكون ١١٪ من الثروات والباقي يتوسطهما.
٤ـ الثورة الصناعية الرابعة: ويكون ما يعرف بالذكاء الاصطناعي ARTIFICIAL INTELLIGENCE جزءًا منها مع ما يمكن ان يكون لهذه الثورة من تأثير على متطلبات العمل وحجم العمالة والبطالة في المدى القريب، إضافة الى إمكان تغيير عمل المصارف واستبدال العملات بعملات رقمية او عملات افتراضية من دون تقليل احتمال الفوضى في الأسواق المالية.
وفي العودة الى الداخل اللبناني نرى ان الهم الأساسي هو في غير اتجاه ما يصوّب عليه الكثيرون اي سعر صرف الليرة اللبنانية، اذ ان الليرة تستند في قوتها الى أربعة عناصر هي:
1ـ رضى المجتمع الدولي عن الكيان اللبناني وعن استمرارية وجود الدولة وان تكن ضعيفة يشوبها الوهن وما خروج لبنان من أزماته المتلاحقة منذ عام 1984 تختلف في أهميتها في التداول عمّا هي اليوم. كما ان النظام المصرفي الذي يضمّ القطاع المصرفي ومصرف لبنان يختلف في ثقافته وعلاقته عمّا كانت في عام 1984.
2ـ الوجود اللبناني في الخارج: الذي كان ولا يزال موردًا مهمًا للاقتصاد وللسوق النقدية في لبنان. التحويلات من أبناء الوطن من الخارج مستمرة ويمكن ان تتضاعف وبسرعة في كل وقت يظهر فيه الوطن علامات ارتياح وثقة بالمستقبل.
3ـ قطاع مصرفي مرن: هذا باعتراف بيوت المال الدولية وعلى مدى مدة طويلة، وهذه المرونة تحركّها صفة العنصر البشري اللبناني الذي يتقن فن الوساطة المالية، إضافة الى حبه لتحقيق الأرباح والنتائج وحتى في الظروف الضاغطة.
4ـ سياسة نقدية واقعية: عرفت السلطة النقدية مكامن الضعف والقوة واتخذت سياسات في ظاهرها متحركة مرنة تستجيب لظروف السوق وفي باطنها أهداف ثابتة تتمحور على استمرار الثقة بالنظام المصرفي واستمرارية استقطاب الأموال لتغطية حاجات القطاعين العام والخاص ودعم استقرار سعر صرف العملة المحلية بأدوات نقدية ومالية في الوقت الذي يتعذّر تغطيتها باقتصاد منتج لأسباب تخرج عن إدارة وإرادة السلطة النقدية.
بالطبع لا يعني ما سبق ذكره ان البلاد لا تواجه مواطن ضعف وخلل وانه يتوجب على أهل الحكم الإسراع في معالجتها او على الأقل وضع آلية تحول دون تفاقمها، ولن أتوسع في تعداد هذه المخاطر ويمكن الاكتفاء بزاويتين مهمتين تكون لهما صفة العجلة وهما:
1ـ المالية العامة: تعاني المالية دينًا مرتفعاً وحاجة سنوية ضاغطة. اذا كان في الإمكان معالجة حجم الدين العام على مدى سنوات طويلة، فإن حاجة المالية العامة السنوية تشكّل عناصر ضغط على السوق النقدية والمالية ويجب مواجهتها بقرارات جريئة قد تكون غير شعبوية وقاسية تتناول جميع الطبقات الميسورة منها والمتوسطة.
ليكن معلومًا ان حجم التدفقات النقدية لا يكفي لسد حاجات القطاعين العام والخاص، ولذلك فإن الوسعة في الإنفاق وضعف الجباية هما عنصرا الضغط في السوق النقدية ومن هنا يبدأ العلاج.
2ـ المؤسسات الاقتصادية: المؤسسات والأفراد والعاملون في الاقتصاد هم ركيزة الاستقرار الاجتماعي على مستوى حجم العمالة والدخل الفردي والناتج المحلي. منذ عام 2007 اتجهت المؤسسات الى الاستدانة لتمويل عمليات تطوير خطوط انتاجها مستفيدة من وفرة السوق النقدية ومن الفوائد المتدنية ان من خلال قروض مصرفية عادية او قروض ميسرة مدعومة من مصرف لبنان.
استمر النمو الاقتصادي والفوائد المتدنية الى عام 2012 عندما بدأت ملامح الضعف في الاقتصاد المحلي وارتفاع في معدلات الفوائد على الدولار في الولايات المتحدة الى ان وصلت في لبنان الى اوجها في عام ٢٠١٨، حيث باتت الفوائد تشكّل اليوم عبئًا على المؤسسات المدينة وعلى كلفة الإنتاج وتنذر بإفلاسات معلنة وغير معلنة، ناهيكم عن زيادة في البطالة وديون معدومة.
في الوقت الذي ننشد بناء دولة ومعالجة صحيحة للخلل في البنية الاقتصادية وفي الإدارة العامة، نحزن ان نرى الوقت يمضي بكلفة باهظة، لكن لا نخاف لأن لبنان مهما اشتدت الظروف سيتمكن من النهوض ومواكبة التطوّر ولديه العديد من الصفات التفاضلية التي تجعله يحلّق عاليًا وفي فترة قصيرة.

