سجّل حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامه، عتبه على وكالة “موديز” التي لم تأخذ في الإعتبار تحمّل لبنان مليونًا ونصف مليون نازح سوري ولا تاريخ لبنان الذي لم يسجّل أيّ تخلّف عن سداد التزاماته حتى في أصعب الظروف. ورأى أنّ تصنيف لبنان من قبل هذه الوكالة كان مبنيًا على حججٍ سياسية واصلاحية، مؤكدًا أنّ مصرف لبنان لن يعيد النظر في نسب التثقيل إستنادًا الى مؤسسة واحدة، علمًا أن لا معلومات سلبية عن وكالات التصنيف الأخرى.
كلام الحاكم رياض سلامه جاء في اللقاء الشهري الذي عقده مع جمعية المصارف، في النصف الثاني من الشهر الماضي، والذي تضمن معلومات وأرقام تفيد تخصص تصنيف موديز.
في ١٤ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٨، عدلت موديز النظرة المستقبلية لتصنيف لبنان الى سلبية فيما كانت أكدت التصنيف عند B3. يومها حذرت المؤسسة أن تأكيد التصنيف عند B3 يشترط تشكيل حكومة في المدى العاجل وتنفيذ الإصلاحات التي من شأنها ان تضبط أوضاع المالية العامة والاستحصال على القروض الدولية من مؤتمر CEDRE. في ١٦ كانون الثاني/يناير الماضي اجتمعت لجنة التصنيف في الوكالة للنظر في تصنيف لبنان، ليخرج عنها قرار تخفيض التصنيف. قرار موديز لم يكن مفاجئًا بالتأكيد. فالوكالة اتخذت قرارًا بخفض تصنيف للبنان من B3 الى Caa1 نتيجة عوامل عدة ثمّنها التأخر في تشكيل حكومة قادرة على وضع سياسيات إصلاحية عاجلة للسيطرة على الدين العام وكلفته ولتحريك عجلة النمو.
تعتبر وكالة التصنيف ان تأمين الحكومة اللبنانية للسيولة التي تحتاجها خلال المرحلة المقبلة في ظل زيادة حدة المخاطر التي واجهت الاستقرار المالي، قد تدفع بالسلطات اللبنانية الى البحث في إعادة جدولة الديون بما قد يؤدي الى تخلف جزئي عن السداد بموجب تعريف موديز. فتقويم الوكالة اتى مع ازدياد مخاطر السيولة والاستقرار المالي، نتيجة غياب الحل الجدّي لخلق فائض مرتفع في الميزان الأولي في سياق تقلص التحويلات وتراجع نمو الودائع المصرفية ولخفض العجز في الموازنة من ١١٪، فيما كان تعهد لبنان خلال مؤتمر سيدر تخفيض العجز ٥٪ خلال السنوات الخمس المقبلة. هذا التعهد لم يقدم لبنان على أي خطوة تشير الى بدء تحقيقه، بسبب عدم تشكيل حكومة تضع في أولوياتها السير بالخطط التقشفية وترشيد الإنفاق للحدّ من المخاطر المالية والاقتصادية. وتتوقّع وكالات التصنيف ان يستمر هذا العجز بالتنامي خلال السنوات المقبلة مع تزايد أعباء الدين الذي يتحول تلقائيًا الى عجز.
أمام هذا الواقع، ترفض مصادر مالية ومصرفية على حد سواء الحديث مرة جديدة بفرضية إعادة هيكلة أو حتى إعادة جدولته، لتؤكّد من جديد ما خرج عنه الاجتماع المالي الأخير في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحضور رئيس الوزراء سعد الحريري. ويعتبر لبنان الرسمي إن موضوع إعادة هيكلة الدين العام غير مطروح على الاطلاق، وان الحكومة ملتزمة بالمحافظة على حقوق المودعين والمصارف وحاملي مختلف سندات الدين السيادية، تقيّداً بتسديد الاستحقاقات والفوائد في التواريخ المحددة لذلك من دون أي إجراء آخر. ما هو مطروح حالياً هو تنفيذ الاصلاحات التي اقترنت بها موازنة 2018 من جهة، ومن جهة أخرى ما التزمته الدولة اللبنانية في مؤتمر سيدر، وأبرزها تحقيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ضبط الإنفاق العام وترشيده وخفض عجز الموازنة واستطراداً تأمين التوازن المالي، تعزيز وتنويع القطاعات المنتجة في لبنان.
التقى وزير المالية علي حسن خليل مساعد مدير قسم أوروبا في صندوق النقد الدولي تانوس أرفنيتيس الذي تسلّم مهماته حديثاً، وتركّز البحث حول أهمية الاستقرار السياسي الذي يتمثّل في تشكيل حكومة ويؤمّن المحافظة على مكتسبات مؤتمر سيدر ويساهم في تنفيذ الإصلاحات التي تمّ التوافق عليها. وكان تأكيد من المسؤول في المؤسسة الدولية على دقة المرحلة التي تمرّ فيها البلاد والضرورة القصوى لتشكيل حكومة.
في اللقاء الشهري بين حاكمية مصرف لبنان وجمعية المصارف، أورد الحاكم أهم أرقام القطاع المصرفي اللبناني حتى نهاية العام ٢٠١٨، فجاءت كالآتي:
نمو الودائع بـ ٣،٨٪ أي ما مجموعة ٧٥٢٣ مليون دولار منها نمو الودائع بالليرة بمعدل ٢٪ وبالعمولات ٦،٤٪، اما العجز في ميزان المدفوعات فقد بلغ ٤٨١٦ مليون دولار ضمنها ودائع غير المقيمين البالغة ٤٣١٦ مليون دولار والتي يعتبرها صندوق النقد الدولي في منهجية احتسابه، ما يعني ان العجز الفعلي هو ٥٠٠ مليون دولار. كذلك ارتفع استنادًا الى ارقام الحاكم معدل دولرة الودائع الى ما يزيد على ٧١٪ وصافي القروض غير العاملة (NPL’S) ازدادت من معدل ٣،٢٢٪ الى ٣،٧٥٪ وسجّلت التسليقات بالعملات تغيرًا طفيفًا قدره ٠،٦. وبلغت تسليفات المصارف للقطاع العام ٣٤٣٥٦ مليون دولار منها ١٦٢٥١ مليونًا بالعملات الأجنبية، معتبرًا انها “مخاطر عادية”.
أما الميزانيات الإجمالية فقد ازدادت بنسبة ١٣،٨٪ وبلغت ٢٥٤ مليار دولار مع نهاية ٢٠١٨، كما لم يحصل تدنّ بل ارتفاع في موجودات المصارف في الخارج بالعملات، فوصلت الى ٢٥،٤ مليار دولار (منها ١٢ مليارًا لدى المراسلين، ٧ قروض و٥ مساهمات…) وبالنسبة الى معدل الفوائد على الدولار لأجل، فقد بلغ ٥،٧٦٪ للدائن و ٨،٥٣٪ للمدين.
وأشار الحاكم الى أنه “بسبب التأخر في تشكيل الحكومة خفّض مصرف لبنان توقعاته للنمو الاقتصادي لما بين ١٪ الى ١،٥٪ للعام ٢٠١٩”.
في اللقاء الشهري أيضًا اعتبر رئيس جمعية المصارف جوزف طربيه أن “خفض الوكالة تصنيف لبنان ظالم، لكننا سنتخطى انعكاساته ونعمل على إعادة النظر فيه، ونحتاج لذلك الى تعاون المؤسسات السياسية للبلد، إذ إنه في مقدم أسباب الخفض ما ذكرته الوكالة عن التأخر في تشكيل الحكومة التي كان على عاتقها أن تتخذ إجراءات اصلاحية لتخفف عجز المالية العامة، وهو الشرط الأول الذي وضعه مؤتمر “سيدر” لتقديم الدعم المالي بنحو 11 مليار دولار”.
وخفض التصنيف في رأي طربيه “يعني ضغوطًا مالية إضافية مباشرة على المالية العامة، من شأنها أن تزيد العجز، ولعلّ ذلك يحضّ القوى السياسية على الإسراع في تأليف الحكومة واعتماد خطة الإصلاحات المرجوة”.
وحدّد طربيه الدور المطلوب من الحكومة العتيدة “وهو من أصعب الأدوار في تاريخ لبنان الاقتصادي، إذ عليها إقرار إصلاحات مالية مؤلمة، وجبه موجة الشعبوية التي كانت تنادي بخفض عجز الموازنة من طريق عدم الوفاء بالالتزامات المالية للبنان سواء كان ذلك تحت تسمية اعادة هيكلة الدين أو تسمية اعادة الجدولة”، مذكرًا بأن “اجتماع بعبدا المالي برئاسة رئيس الجمهورية ومشاركة رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصين وحاكم مصرف لبنان خلص الى تأكيد تمسك لبنان باحترام التزاماته المالية سواءً كان ذلك بالنسبة الى إيفاء الدين العام في استحقاقاته أو حماية الودائع والنظام المصرفي”.
وردّ الحاكم بأن “لدى الخزينة حالياً 2600 مليار ليرة وأمامها متسع من الوقت بعيداً من اي ضغوط، وأي مبادرة من مصرف لبنان سترتكز على ألا يكون لها انعكاسات تضخمية”.
مواقف وردود
هذه التصنيفات المتعاقبة، تعتبر ظالمة لكونها لم تأخذ في الاعتبار الكثير من الأمور، مثل تحمّل لبنان أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري، ولا مواظبته على سداد التزاماته، إلا أن الخبيرة الاقتصادية عليا المبيض أكّدت أنه “كان من المتوقّع ان تقوم شركات التصنيف الائتماني بخفض تصنيف لبنان نظرًا الى التدهور المستمر في العجوزات المالية والخارجية، وفي غياب برنامج واضح للإصلاح المالي ذات صدقية وقابل للتطبيق ويحظى بقبول مجتمعي ودعم سياسي من مختلف الأطراف، وتاليًا نظرًا الى انكشاف المصارف على الديون السيادية، وان بمستويات مختلفة، من الطبيعي خفض تصنيف بعض المصارف”. ولكن هذا لا يعني في رأيها “ان هذه المصارف ليس لديها الملاءة او السيولة الكافية، هذا غير صحيح إطلاقًا، استنادًا الى المؤشرات المنشورة”. وعلى الرغم من ذلك، تؤكّد المبيض ان هذه القرارات جاءت لتؤكّد المخاطر المحدّقة بالاقتصاد ومؤسساته، اذا ما تستمر التأخير بالإصلاحات المالية والهيكلية الضرورية، وإن تكن مؤلمة”.
قرار خفض التصنيف، انتقده كبير الاقتصاديين ورئيس مديرية البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل، لكون “موديز” غيّرت نظرتها المستقبلية لتصنيفات الدين السيادي اللبناني من “مستقر” الى “سلبي” منذ بضعة اسابيع فقط. لذا كان خفض الوكالة للتصنيف الائتماني للبنان في ذاته متسرعًا، لأن النظرة السلبية تشير الى ارتفاع إمكان خفض التصنيف الائتماني ولكن ليس بهذه السرعة”.
أحد أسباب خفض التصنيف لودائع المصارف، بحسب الوكالة، هو التأخير في تشكيل الحكومة، وتاليًا في تطبيق الإصلاحات، إلا أن الوكالة وفق غبريل “لم تنتظر صدور مؤشرات نهاية العام، سواء كانت نتائج ميزان المدفوعات او الميزانية المجمّعة للمصارف التجارية او نتائج المالية العامة، حيث نشرت وزارة المالية نتائج الموازنة حتى ايلول/سبتمبر ٢٠١٨ وليس نتائج السنة الكاملة، في حين تصل أحدث نتائج ميزان المدفوعات وميزانية المصارف التجارية حتى شهر تشرين الثاني/نوفمبر”.
وتجاهلت الوكالة وفق ما يقول غبريل “بوضوح اتفاق كانون الأول/ديسمبر المبرم بين وزارة المال من ناحية، ومصرف لبنان والمصارف التجارية من ناحية أخرى، لتغطية جميع حاجات الاقتراض للحكومة للعام ٢٠١٩“.
أما السبب الآخر الذي أعطته الوكالة لخفض التصنيف فهو “غير مقنع”، لأن الوكالة بحسب غبريل تعتبر ان “التدابير التي قد تتخذها الحكومة اللبنانية لخفض كلفة خدمة الدين ستتضمّن تخلّفًا عمليًا للبنان عن سداد التزاماته المالية. ومع ذلك، لم تحدد الحكومة اي إجراءات بعد، كما تعتبر عادة الجهود المبذولة لخفض كلفة خدمة الدين خطوة إيجابية.
والأهم في رأي غبريل أن “موديز” تجاهلت قرار دولة قطر استثمار ٥٠٠ مليون دولار في سندات الأورو بوند اللبنانية، الأمر الذي سيزيد احتياط مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، والذي له تأثير ايجابي على ميزان المدفوعات، ولو بشكل متواضع”.
والى الأسباب التي أوردها غبريل عن دعم صواب قرار “موديز”، ثمة أمر واضح وغير معلن للخفض، وهو “المنافسة الشرسة بين وكالات التصنيف لتعديل التصنيفات الائتمانية، خصوصًا بعد تعرضها لانتقادات لاذعة في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعدم اتخاذ إجراءات تصنيفية في شأن المنتجات المالية المركبة لتسليط الضوء على المخاطر المتعلقة بها. واذا كان هذا العامل لا علاقة له بلبنان، إلا أن غبريل يعتبر انه “لا ينبغي ان يحجب الخسائر التي يتحملها الاقتصاد اللبناني بسبب عرقلة تشكيل الحكومة أو الحاجة الى خفض حاجات الدولة للاستدانة من خلال إصلاحات هيكلية”.
وقرار خفض “موديز” تصنيف لبنان الائتماني السيادي من درجة -B الى درجة Caa1 كان مفاجئًا بعض الشيء، وفق ما تؤكّد مصادر في بنك لبنان والمهجر لأنه لم يأخذ في الاعتبار القوة المالية لمصرف لبنان على صعيد الموجودات الخارجية وتاريخ لبنان الذي لم يتخلّف يومًا عن سداد التزاماته المتعلّقة بالدين العام. أما الأثر المباشر على المصارف (في حال لحقت شركات التصنيف الأخرى بما قامت به موديز) فهو في رأي المصادر “حاجتها الى تخصيص المزيد من رأس المال مقابل السندات السيادية اللبنانية التي تحملها، وأخذ مؤونات إضافية لمخاطر البلد. وبطبيعة الحال، فإن المصارف تتمتّع بنسب عالية من كفاية رأس المال لن تؤثّر على سمعتها كما تطمئن المودعين في ما يخصّ سلامة المصارف وصلابتها”.
إلا أن المصادر لم تخف أن الأثر الأهم هو “الأثر على سمعة الدولة والفوائد الأعلى التي يتوجّب عليها دفعها على قروضها بالعملة الأجنبية نتيجة خفض التصنيف، بالإضافة الى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها”، لكنها ذكرت باجتماع بعبدا الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير المال وحاكم مصرف لبنان ورئيس جمعية المصارف، الذي شدّد على ان في مقدور لبنان تسديد جميع التزاماته وأنه لن يكون هناك اي إعادة هيكلة او جدولة للدين العام. ويتبع ذلك إصرار من بعض الدول الخلجيية على مساعدة لبنان من خلال شراء سندات الخزينة، والتي كان لها أثر إيجابي على الأسواق وخصوصًا على أسعار السندات السيادية”.
من هذا المنطلق، رأت مصادر بنك لبنان والمهجر “ان خفض التصنيف من “موديز” لم يستند الى أدلة قاطعة وموضوعية، “بدليل أننا شهدنا زيادة جيدة في الودائع بلغت ٣،٨٪ في نهاية ٢٠١٨، كما قاربت الموجودات الأجنبية لمصرف لبنان الـ ٤٠ مليار دولار عدا الذهب، إضافة الى موجودات المصارف في الخارج التي تعادل ٢٥ مليار دولار”. ولكن ذلك لم يمنع المصادر من التشديد على ضرورة تأليف سريع للحكومة لوقف الشلل السياسي والقيام باصلاحات هيكلية مستدامة، أهمها في المالية العامة حتى لا تتعرّض الدولة لضغوط مالية إضافية تزيد العجز والدين العام ونعزّز الثقة بالاستقرار المالي والمصرفي وتزيد الطمأنينة لدى المستثمرين والمودعين”.





