تتحمل القوى السياسية في لبنان مسؤولية الإسراع في تشكيل الحكومة لمواجهة مخاطر الأزمات السياسية والاقتصادية والحياتية التي تُحْدِقُ بالبلاد، حيث لا يخفى على أحد أن الوضعين المالي والاقتصادي في خطر يستدعي من الأفرقاء السياسيين تقديم التنازلات لتسهيل عملية تشكيل الحكومة الجديدة ووقف المزايدات التي تؤجج هذه الأزمة وسط إشاعات ومعلومات مغلوطة تهدف الى خلق مزيد من البلبلة والاضطرابات العامة.
مقوّمات الاقتصاد المحلي تتّسم بضعف شديد والمخاطر الاقتصادية مرتفعة، في ظل تحديات كبرى تتعلق بوضع المالية العامة مع دين عام مرتفع يصل في نهاية العام الى نحو 86 مليار دولار بنسبة 154 في المئة من الناتج المحلي، ونمو لا يزيد عن 1.5 في المئة في أحسن التقديرات، وعجز في الموازنة العامة يصل الى 10 في المئة من الناتج المحلي، وارتفاع مستمر في البطالة يتجاوز 25 في المئة من القوى العاملة وفقر يزداد انتشاراً في صفوف المواطنين بعدما كانت نسبته 32 في المئة العام الماضي، واستمرار هجرة الشباب والمثقفين وأصحاب الخبرات، وتردٍّ مستمر ودائم في الخدمات العامة والبنى التحتية كافة، في ظل استمرار “حشو” القطاع العام بمزيد من الأزلام والمحاسيب مع تراجع الإنتاجية وانعدام الكفاءة والمسؤولية وزيادة نسب الفساد والسرقات والنهب المنظم بشكل لم تعهده البلاد من قبل.
أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة العتيدة فور تشكيلها تتلخص بالآتي:
ـ تحفيز النمو الاقتصادي من خلال تنفيذ مشاريع استثمارية للبنى التحتية وفتح أسواق جديدة للصادرات والعمل على استقطاب الاستثمارات الخارجية عبر تقديم حوافز وإعفاءات لها.
ـ معالجة أزمة النازحين السوريين، بعدما باتت 70 في المئة من المناطق السورية آمنة وخارج إطار الاشتباكات العسكرية، ولا سيما في ظل تراجع المساعدات الدولية ونية المجتمع الدولي لإبقائهم في أماكن وجودهم في انتظار الحل السياسي النهائي.
ـ إطلاق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، خصوصاً بعد إتمام الإجراءات والقوانين اللازمة لذلك، على أن تتم الشراكة بحذر شديد ومراقبة علمية ودقيقة، كي لا تتحول الى احتكارات محمية من مراكز قوة داخل السلطة، فتؤدي الى نتائج عكسية.
ـ تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية للحصول على تعهدات مؤتمر “سيدر”، عبر خفض العجز في الموازنة من 10 الى 5 في المئة من الناتج المحلي، ووقف تنامي الدين العام، من خلال إجراءات تخفف الهدر والسرقات والمصاريف غير الضرورية ووقف التوظيف العشوائي واتخاذ إجراءات تؤدي الى زيادة إنتاجية القطاع العام بعد “ترشيقه” وتوفير الحلول العملية لمشكلة الكهرباء التي استنزفت الخزينة العامة وهي تلحق خسائر بها تزيد عن مليار ونصف مليار دولار سنوياً، إضافة الى خسائرها على الاقتصاد الوطني ككل…
ـ مكافحة الفساد فعلاً لا قولاً، حيث أن لبنان بات في المرتبة 143 من بين 180 دولة على مستوى الشفافية الدولية، وكلفة الفساد على الاقتصاد والمالية العامة تقدّر بأكثر من 2.5 مليار دولار سنوياً، ناهيك عن تأثيراته السلبية على أداء القطاع العام ومعاملات المواطنين… دور الأجهزة الرقابية أساسي في هذا المجال كما يجب رفع الحمايات السياسية والحزبية عن الفاسدين والمفسدين وتطهير دوائر الدولة ومؤسساتها منهم وعدم الاكتفاء بإطلاق البيانات والشعارات الرنانة في هذا الإطار.
وفي انتظار تشكيل الحكومة العتيدة، ترتفع أصوات المشككين والمتشائمين والمبشّرين بخراب الهيكل… وحده حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامه ينفرد بالتغريد خارج السرب مطلقاً مواقف تفاؤلية مبنية على أرقام ودراسات ومعادلات ومتخذاً تدابير وإجراءات تهدف الى حماية النقد والقطاع المصرفي… إنه حارس الليرة والاقتصاد في زمن الانهيارات العامة.

