قالت كريستين لاغارد، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، في منتدى دافوس “نشهد تراجعًا في التوسع العالمي وتصاعدًا في المخاطر، ونحن نرى الآن أن الاقتصاد العالمي سيحقق نموًا بمعدل 3،5% هذا العام، بإنخفاضٍ قدره 0،2 نقطة مئوية عمّا توقعنا سابقًا، وأن المخاطر الآن أعلى، نظرًا لتصاعد التوترات التجارية وزيادة ضيق الأوضاع المالية”.
يبدو أنّ الاقتصاد العالمي على مفترق طرق في ظل الصورة السياسية والاقتصادية القاتمة التي تهيمن على المشهد العالمي، وبخلاف فترات أخرى من العقود، لا بد من القول أننا أمام فترةٍ من عدم اليقين للقوة العالمية والإقليمية، وذلك في ظل الحمائية والنزاعات التجارية والإرهاب وإرتفاع الجريمة الإلكترونية وحتى التهديد بحربٍ نووية.
الصورة العالمية مشوشة قليلاً، والاقتصادات الكبرى تمر في مرحلةٍ جديدة، حيث أن المصارف المركزية بدأت بتقليص سياساتها النقدية في غياب مؤشرات لنمو متوازن وقريب.
مخاطر كثيرة تهدد مسيرة النمو العالمي، منها: تزايد الضغوط السياسية وإنفجار الشعبوية في عددٍ كبير من الدول الكبرى، لاسيما في الولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا، التي بات خروجها من الإتحاد الأوروبي كابوسا يؤرّق اقتصادها كما يترك أثارًا سلبية على الاقتصادات الأوروبية الأخرى، من دون أن ننسى إرتفاع مستويات الديون التي تجعل من الصعب على الحكومات الرد بقوة على الصدمات المحتملة، وعدم القدرة على الرد بقوة على الازمات المالية التي قد تلوح في الافق، بما من شأنه زيادة خطر الركود الطويل الأجل.
إقليميًا، تستمر الصراعات والحروب والأزمات في عددٍ كبير من الدول الأوروبية، بما ينعكس سلبًا على اقتصاداتها مرحليًا ومستقبلياً، مع الإشارة الى أنّ هذا الصراع قد بلغ خطوطاً حمر في عددٍ من المواقع الأساسية وبين دولٍ عدة، مما أثّر سلبًا على الرؤية المستقبلية لهذه المنطقة بعد عقودٍ من الإزدهار والنمو.
الدول العربية الغنية بالنفط لم تحقق بعد التعافي الكامل من الأزمة المالية العالمية وغيرها من الإضطرابات الاقتصادية الكبيرة التي سادت العقد الماضي، لا بل فإنها دخلت في دوامة الدين العام الذي إرتفع الى نحو 33% من إجمالي الناتج المحلي مدفوعًا بإنهيار أسعار النفط قبل 5 سنوات، علمًا أنه قد وصل في الدول العربية المستوردة للنفط الى نحو 85% من إجمالي الناتج المحلي في العام 2018.
محليًا، أقرّت الحكومة الجديدة بيانها الوزاري ونالت الثقة على أساسه، وهو يرتكز في شقّه الاقتصادي على متطلبات مؤتمر سيدر وتوصيات شركة ماكينزي، ويأخذ في الإعتبار المخاطر الجسيمة التي تهدد الإستقرار الاقتصادي والمالي، لاسيما بعد موجة الشائعات غير البريئة والمفتعلة والتي روّجت لإنهيارٍ مالي ونقدي وشيك.
يتضمن البيان الوزاري خطوات إصلاحية إيجابية وواقعية تتعلق بإستثمارات سيدر وتصحيح المالية العامة وإصلاحات قطاعية على الحكومة تنفيذها وعدم تفويت الفرصة لوقف تدهور المالية العامة وتضخم الدين العام وإنعاش النمو وإصلاح الكهرباء وتعزيز الثقة.
نعود إلى السيدة كريستين لاغارد في منتدى المالية العامة في الدول العربية في دبي، حيث استشهدت بكلمات للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فيما يتعلق بتحقيق رؤية الغد الأفضل، وقالت: “هي رؤية كبيرة. ولكن كما قال الشيخ محمد ذات مرة: كلما كبرت الرؤية، كبر معها إنجازك… ولم يكن الخوف ليبقينا صغاراً، بل يجب أن نتحلّى بالشجاعة لكي نصبح كباراً”.
وختمت مخاطبةً الحضور: “أنتم الرواد، القادة، أصحاب الرؤية. ونحن نأمل أن نستطيع تقديم إرشادات مفيدة، ولكننا نتطلّع إليكم لتعثروا على المسار الصحيح الذي يحوّل هذه الرؤية إلى واقعٍ ملموس”.




