الرجال الكبار، حضورهم جدل وغيابهم إجماع.
هكذا ادمون نعيم، العالم القانوني والدستوري، رئيس الجامعة اللبنانية، حاكم مصرف لبنان، النائب والمحامي، وأكبر القابه: الإنسان النزيه، الوديع والمتواضع.
ادمون نعيم المولود في الشياح قبل مئة سنة، في ٥ ايلول/سبتمبر ١٩١٨، ابن وديع نعيم الوزير والنائب ونقيب المحامين ورئيس الوفد اللبناني لتوقيع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو سنة ١٩٤٥. ومن البيت العائلي ولج باكراً الشأن العام مرشحاً للانتخابات عامي ١٠٥٧ و١٩٦٠ وكاتباً سياسياً ومسؤولاً في الحزب التقدمي الاشتراكي.
منذ نيله دكتوراه دولة في القانون سنة ١٩٥١ اوكل الى نفسه دور حارس الشرائع، فاتّهم بالتزمّت باحترام النصوص وبتغليب القانون على اي اعتبار آخر.
عاش بين الكتب والنصوص والدساتير محامياً، ثم استاذًا فعميدًا لكلية الحقوق سنة ١٩٦٥ الى حين انتخابه بالإجماع رئيسًا للجامعة اللبنانية بين ١٩٧٠ و١٩٧٧ في ذروة الفورة الطالبية وصراع الأفكار والتيارات التي احتدمت في فضاء الجامعة، قبل الانتقال الى الشارع ثم المتاريس.
في زمن الحروب الكثيرة والحرب على الليرة، قذفت الأقدار الدكتور ادمون نعيم الى جلجلة حاكمية مصرف لبنان.
بين كانون الثاني/يناير ١٩٨٥ وكانون الثاني/يناير ١٩٩٠، عاند ادمون نعيم وقاوم وواجه بقوة النصّ وسلطان العدل، حرب المضاربة على الليرة التي ارتكبها سياسيون وأحزاب ومصارف وجهات رسمية ونقدية بغياب أو تواطؤ بعض الهيئات الرقابية.
ترك بيته وتصومع في غرفة حصّنها بأكياس الرمل على سطح مصرف لبنان، كأنه حارس المصرف والليرة ليل نهار.
كان على ادمون نعيم المتقشّف مواجهة اسراف الحكومتين المتنازعتين على السلطة في الإنفاق من خزينة فارغة من الواردات، وكان عليه ايضاً مواجهة تمرّد المصارف على تعاميمه، والحدّ من انعكاسات افلاس المصارف، بالإضافة الى الاحتفاظ باحتياط لازم لشراء الطحين لرغيف الفقير والتموين للجيش والقوى الأمنية. حرصه الشديد على المال العام ومنع الاستباحة، كلّفه مواجهة مع السلطة السياسية واعتداءً جسدياً عليه بأمر من أحد الوزراء.
خرج ادمون نعيم من الحاكمية الى محكمة التاريخ المنصف. عاد الى حياة توزّعت بين الحديقة والمكتب والمكتبة الضخمة التي جمع فيها أكثر من ثلاثين ألف كتاب شكّلت كل ثروته. توّج تاريخه الذهبي بمقعد نيابي عن دائرة بعبدا سنة ٢٠٠٥ بطلب من رئيس “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، قبل ان يرحل سنة ٢٠٠٦، عن عمر مديد مرصّع بالإنجاز الجالس على عرش النظام والقانون والدستور الذي استوى عليه طوال حياته.
شكراً ادمون نعيم لأنك حفظت الليرة الواحدة والمصرف المركزي الواحد.
شكراً لأنك ساهمت في بقاء الميدل ايست على قيد الحياة حين كان آخرون يتهافتون على ذبحها.
شكراً لك ادمون نعيم على تمسّكك بالقيم الأساسية للجمهورية، اي الأخلاق والقانون والدستور والعدالة الاجتماعية.
كان ادمون نعيم كبيراً في لبنان الكبير، وقد بقي منه الجزء الذي لا يواريه تراب.

