ميزانية عام ٢٠١٩ هي مجرد محاولة من السياسيين في لبنان في للتظاهر بأن الأوضاع تتغير في الوقت الذي يتجهون هم فيه نحو الأزمة التي ستؤدي إلى عملية إنقاذ من الإنهيار.
في الماضي كان لبنان سويسرا الشرق أو كما هي دبي اليوم. في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان لبنان مركزًا إقليميًا للخدمات المصرفية والمالية، وريادة أعمال وملعبًا للعرب الأثرياء وعندما بدأت مليارات النفط تتدفق إلى الخليج بعد عام ١٩٧٣، كانت بنوك بيروت هي التي تدير معظم الثروة.
خمسة عشر عامًا من الحرب الأهلية تبعها السيطرة على البلاد بشكل مختلف من قبل سوريا وإيران وحزب الله وضعت حدا لهذا العصر الرائع. وكذلك فعلت الهجرة اللبنانية لكوادر الشعب اللبناني التي جعلت من بيروت ما كانت عليه في أوجها.
إذا كان لبنان ذات يوم نموذجًا أوليًا لمستقبل دبي، فاليوم يعتبر النموذج الأولي لمستقبل لبنان هو اليونان.
ظل الاقتصاد اللبناني في حالة نمو بطيء منذ سنوات، وفي الوقت نفسه، تضخمت ديونه وأصبحت اليوم تساوي أكثر من ١٥٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي (مقارنة بأقل من ١٣٠٪ لليونان عشية الأزمة المالية). الفقر مستوطن. البنية التحتية والخدمات الحكومية مختلة، كما يتضح من أكوام القمامة في الشوارع والكهرباء المتقطعة والمياه الشحيحة.
إن قادة لبنان يدركون جيدًا المشكلة لكنهم لم يتعجلوا معالجتها. تم تشكيل الحكومة الحالية في كانون الثاني/يناير الماضي بعد ٢٥٢ يوما من مفاوضات التحلاف. استغرق الأمر أربعة أشهر للحصول على قطعة رئيسية من إصلاح الكهرباء التي وافق عليها البرلمان في نيسان/ أبريل. ونهاية الشهر الماضي – بعد سبعة أشهر من السنة – حصلت الموافقة على ميزانية ٢٠١٩.
قد يبدو إصلاح الكهرباء مشكلة جانبية في بلد على وشك الإنهيار المالي، لكن الإعانات المقدمة لمؤسسة كهرباء لبنان تمثل حوالي ربع العجز السنوي في الميزانية الحكومية، مما يشكل عاملاً رئيسيًا في كبح التنمية الاقتصادية، حيث على الرغم من كل المساعدات للمؤسسة فإنها توفر الطاقة في بعض الحالات أقل من ١٢ ساعة في اليوم.
لا يجب التعويل على أي حلّ لمشكلة الكهرباء في لبنان في أي وقت قريب. فلقد وضعت خطط إصلاحية لبناء المزيد من محطات الطاقة ولكن دون إنشاء بنية تحتية تنظيمية أو حوافز للقطاع الخاص لبنائها. ولا يجب تناسي مكاسب «مافيا المولدات» لموردي الطاقة الخاصين المرتبطين بالمؤسسة السياسية اللبنانية، تلك المكاسب التي توضع على المحك كلما طرح مشروع إصلاحي لمؤسسة كهرباء لبنان.
وكذلك الأمر بالنسبة للميزانية وهي مجموعة من الزيادات الضريبية وخفض في الإنفاق أشاد بها السياسيون اللبنانيون ومجموعة من المسؤولين الماليين الدوليين على أساس أنها خطوة أولى على طريق الإنتعاش اللبناني.
ومع ذلك، مثل إصلاح الكهرباء، فإن الميزانية أشبه بواجهة مصممة لإقناع جمهور من المانحين الدوليين والمستثمرين الأجانب بأن كل شيء على ما يرام، أو على الأقل يتحسن، بينما تستمر الأعمال كالمعتاد.
أيام مرّت ولم يتم الإعلان عن التفاصيل الدقيقة للميزانية، لكن من المفترض أن تخفض العجز إلى ٧،٦٪ من إجمالي الناتج المحلي وذلك من ١١،٥٪ في عام ٢٠١٨. وخلال «همروجات» النقاش، كان بعض النواب يدعون إلى خفض العجز إلى ٧،٦٪. فلقد اعتاد السياسيون في لبنان أن لا يقلقوا من إطلاق دعوات رخيصة هم على ثقة أنها لن ترى النور.
في الواقع، يعتقد صندوق النقد الدولي أن العجز هذا العام سوف يصل إلى حوالي ٩،٧٥٪، مما يمثل خطوة كبيرة نحو دين عام أكبر بدلاً من الإنتعاش المنشود.
ولكن يصعب خداع جميع الأسواق طوال الوقت. إن تكلفة التأمين على ديون لبنان، وهي مقياس لكيفية قياس المستثمرين لمخاطر التخلف عن السداد، تراجعت لفترة وجيزة في أعقاب موافقة البرلمان على الميزانية. ومع ذلك، ارتفع الشهر الماضي إلى أعلى مستوى في أي حكومة في العالم.
النظام السياسي في لبنان، حيث تعتمد الأحزاب السياسية على الإنتماء الديني ونظام «حكلي لحكلك» غير قادر على التغيير، والإصلاحات الاقتصادية من النوع الذي يمكن أن يطور البلد ستؤدي إلى قلب توازن القوى الدقيق وضرب المصالح القوية. وعليه ، يبدو أن المؤسسة تعتمد على الغرباء لإنقاذها.
في الواقع، تعهدت الدول الغربية والخليجية تقديم مساعدات بقيمة ١١ مليار دولار قبل عام. من المفترض أن يتم إطلاق الأموال فقط عندما يظهر لبنان أنه يقوم بإصلاحات هيكلية من النوع الذي بدأ نوع من التحرك نحوها الآن فقط .
ربما يراهن قادة لبنان على أن الأموال ستتاح في نهاية المطاف دون ربط أي سلاسل مزعجة عندما تكون البلاد عرضة لخطر التخلف عن السداد. وإذا لم تكن هناك حجة اقتصادية جيدة لإنقاذ بلد فاسد وخلل وظيفي، فهناك دائمًا القضية الجيوسياسية التي يجب استغلالها لمنع حدوث عدم الإستقرار.
من وجهة نظر المؤسسة السياسية اللبنانية، فإن الأزمة سوف تحلّ كل شيء دون تكلفة. وهذه وجهة نظر خاطئة فإن عمليات الإنقاذ باهظة الثمن. اسأل اليونانيين الذين ما زالوا يعانون بعد عقد من الزمن.
إنه لأمر محزن أكثر في حالة لبنان لأنه لا يزال لديه إمكانية أن يكون دبي ثانية، بدلاً من ذلك، فإن قياداته راضية عن جعله اليونان الثانية وذلك لحماية مصالحهم الضيقة.
يبقى هنا السؤال الأكبر: ما هو موقف الشعب اللبناني «الواعي» من كل ما يحصل؟
إن الشعب اللبناني مساهم كبير في أزمته. فهو القاعدة الشعبية لمكونات المنظومة السياسية الطائفية الذي يغض الطرف عن فساد ممثلي الطائفة وينهال بالإتهامات الشعبوية على ممثلي الطوائف الأخرى. ولذلك فإن كل زعيم سياسي مرتاح لوضعه. فبدل أن يناقش السياسيون سبل وضع خطط إنمائية للبلد توفر للشباب فرص العمل في لبنان بدل الهجرة للخارج تراهم في المؤسسات يوجهون سهامهم على بعضهم البعض بغية خلق المزيد من الحالات الشعبوية التي ينجر خلفها الكثير من فئات الشعب اللبناني، مما يكرس ثبات الكرسي السلطوي.
وأما السبب الثاني وراء «نوم» هذا الشعب فهو عدم شعوره المباشر بأنه يسرق يوميًا. ذلك أن لا أحد في لبنان يتعرض لخوة مباشرة تضرب على محفظة جيبه بشكل واضح. ولكن يغفل على اللبناني أنه يتم سرقة فرصه. ولنا في الكهرباء مثال حي. فعدم تطوير كهرباء لبنان يضيع فرصة توفير كلفة فاتورة الكهرباء وذلك لمصلحة المنتفعين. والأمثلة هنا كثيرة لا تحصى.
بهذه الظروف لا أرى أمال لحلّ قريب في لبنان. فهل من معجزة ستحلّ؟

