لم يقل المبعوث الفرنسي المكلف متابعة «مؤتمر سيدر» بيار دوكان ما لم تقله وكالات التصنيف الدولية حينما خفّضت التصنيف الإئتماني، أو أنها اعطت لبنان مهلة لا تزيد عن ستة أشهر. تخلى عن دبلوماسيته حينما قال بواقعية «لا يمكن إيجاد مؤشر اقتصادي واحد ليس سيئًا». نزع قفازيه ليضع الإصبع على الجرح اللبناني النازف والمستنزف مواجهًا اللبنانيين بحقيقة «وضعهم الحرج». كلامٌ فجٌ وواقعي أراد من خلاله الإضاءة على خطورة الوضع وقطع الطريق أمام استمرار محاولات تخدير الرأي العام من قبل بعد المنظّرين الساعين إلى إستنباط مؤشرات ايجابية والايحاء بأن «الأمور ليست على هذا القدر من الخطورة» واتهام من سبق دوكان وستاندارد أند بورز وفيتش بالتحذير من حراجة الوضع الاقتصادي بأنهم يمارسون «صناعة اليأس».
رسائل دوكان الواضحة في الدلالة على خطورة الوضعين المالي والاقتصادي أتى بعضها واضحًا وصريحًا والبعض الآخر «مشفّرًا» بإتجاه المسؤولين ومقاربتهم للعملية الإصلاحية. فالإصلاحات «لا تعني إرضاء جهة أو دولة بل يجب أن تشمل موضوع النفقات»، وبهذا الكلام قطع الطريق على كل ما يقال في العلن أو في الغرف المغلقة، من أن لبنان ليس مضطرًا بالأخذ بكل ما نص عليه «سيدر» من إصلاحات وبخاصة في قطاع الكهرباء، وأنه بالإمكان التعاطي مع هذه الإصلاحات «على القطعة» نأخذ ما يناسبنا منها ونرفض ما لا يناسبنا. فبحسب دوكان فإن ما يطالب به المانحون «هو ما تقتضيه قواعد الحوكمة الرشيدة وفق المعايير الدولية وليس إرضاءً لأشخاص او دول».
أما النقطة الثانية والتي عاناها الموفد الفرنسي بشكل واضح، فهي أن الإصلاحات تمر إلزامًا بقطع النفقات وحصرها بشكل دائم ومستدام، وبالتالي لا يمكن التعويل فقط على رفع الضرائب كما هو الحال اليوم. من خلال ذلك وضع دوكان كامل مقاربة الحكومة لإعداد الموازنات والإصلاحات على المشرحة، وقال بتعبير آخر ما مفاده أن الضرائب وحدها ليست اصلاحات… عليكم تقليص النفقات ألف. باء هذا التقليص انما ينطلق بداية من عجز الكهرباء الذي يشكل ٦٠٪ من عجز الخرينة.
الرسالة المشفّرة الأخيرة للموفد الفرنسي جاءت عبر عبارة «النفط ليس بالحلّ السحري» برسم كل من يعتلي منصات التنظير والترويج لمقولة «البلد بألف خير وبعيد من الإفلاس لأنه يمتلك ثروة نفطية واعدة». وهذا أيضًا أتى في صلب المنطق التحذيري عينه الذي صوّب عليه دوكان ووضعه في مرمى أهداف زيارته… فنعمة النفط سرعان ما قد تتحول إلى نقمة إن لم يسارع اللبنانيون أنفسهم إلى سد مزاريب الهدر والفساد كي لا تنتهي الموارد النفطية القومية في جيوب الكبار من أركان نظام المحاصصة.
مواقف المبعوث الفرنسي لخّصت الواقع الاقتصادي اللبناني، الذي سعى لقاء بعبدا لشرحه ومعالجته عبر حلول مرحلية ومستقبلية، تم إقرار بعضها وسقوط البعض الآخر في دائرة الشعبوية والمزايدات السياسية والمناطقية.
اجتماع بعبدا كان لوضع الطبقة السياسية بأسرها أمام مسؤولياتها بحيث لا يمكن لأي فريق التنصل من معرفة ما يذهب إليه البلد وما هي تداعياته في حال لم تُتَّخذ الإجراءات المطلوبة، علمًا أن الجميع يتحدث عن أزمة وعن حلول، انما الكل يرمي المسؤولية في مرمى الآخرين. تزامنًا مع إعلان لبنان حالة الطوارئ الاقتصادية وبدء عمل الحكومة على خطة لتسريع الإصلاحات المالية والهيكلية من خلال موازنة العام ٢٠٢٠، جاء كلام البطريرك الماروني بشارة الراعي يعبر أوضح تعبير عن الواقع الاقتصادي المأزوم، حين تحدّث عن «المسؤولين في الدولة الذين يتآكلهم الفساد السياسي والأخلاقي والمالي، ويهملون الشعب في عيشه وحقوقه الأساسية عبر إهمال النهوض الاقتصادي والمالي وتغطيتهم التهرب الضريبي والمفسدين، وعندما يتحدثون عن الخزينة الفارغة نقول لهم أنتم أفرغتموها في جيوبكم».

