- حزيران/يونيو رقم 343 - المراقب المالي

خطة الحكومة… لإفلاس لبنان

من نواة صغيرة اقترحها النائب نقولا نحاس، بدأت تتظهَّر قراءة أكثر واقعية لعملية احتساب الخسائر إنطلاقًا من معادلة تقييم الموجودات والمطلوبات، وتوسعت هذه النواة إلى دائرة أكبر كان مسرحها لجنة فرعية للجنة المال والموازنة، توسعت لاحقًا فباتت تجمع حولها نوابًا وهيئات ومتخصصين… في محاولة لفهم المسار الذي تخططه الحكومة للبلاد.

عندما اكتشفت النواة الصغيرة الأرقام المغلوطة للخطة الحكومية والتوجهات المعاكسة للإصلاح وغياب الرغبة في تقويم الإعوجاجات، تم وضع الملف في عهدة لجنة المال والموازنة، حيث عقدت إجتماعات عدة بين الأطراف كافة توّجت بلقاءين في القصر الجمهوري، انتهت الى اعتماد أرقام الخطة المالية للحكومة من دون تغيير أو تبديل.

كان واضحًا منذ البداية أن الخطة الحكومية كُتبت ليقرأها صندوق النقد الدولي وليرضى عنها، بحيث جاءت مطابقة لما يقترحه عادة: الدخول في برنامج على «نظيف»، أي تصفير كل الحسابات والبدء من الصفر.

يَسهُل نقد خطة الحكومة بل ونقضها، ذلك أنها لا تعالج جذور الأزمة التي تتمثل بالضعف المزمن لإنتاجية الاقتصاد اللبناني وغياب النمو وفرص العمل، كما بإستشراء الفساد ونهب مقدرات البلد وإهدار إمكاناته وإضعاف الدولة وتغييبها عن أداء وظائفها الأساسية لمصلحة قوى سياسية طائفية تنازعت مواردها وتقاسمت سلطاتها وإدارات مؤسساتها العامة بكفاءة متدنية جدًا.

عوض معالجة هذه المشكلات بجدية وجرأة، عرضتها الخطة الحكومية بخجل وهامشية، وذهبت إلى حلّ يقضي بإلغاء كل ديون الدولة الفاسدة والفاشلة بشحطة قلم وفي يوم واحد مقابل تحميلها للمصارف ومصرف لبنان والمودعين. بمعنى آخر، قرّر واضعو الخطة، وزارة المالية وشركة لازاد، تصفير ديون الدولة وإظهارها خسائر في ميزانيات المصارف ومصرف لبنان، بما يبرّر وضع اليد على القطاع المصرفـي وإستبداله بخمسة مصارف تتحكم بملكيتها وإداراتها بعض القوى السياسية الفاعلة.

في المقابل، اعدّت جمعية المصارف ورقة، تشكل مساهمتها من أجل تعافـي لبنان المالي والاقتصادي، تقوم على خمسة محاور:

في مقدمة هذه المحاور تأتي إعادة هيكلة الدين العام تخفف ما أمكن من الانعكاسات السلبية على المودعين وعلى الاقتصاد ككل، وتتجنب التوقف عن الدفع الداخلي نظرًا لأضراره المدمرة على عودة الثقة والاستثمار. وتقدر ورقة الجمعية الحاجة إلى التمويل الخارجي بحدود ٨ مليارات دولار سنويًا بدلاً من ٢٨ مليارًا ذهبت إليها خطة الحكومة بتفاؤل يثير العجب لئلا نقول السخرية.

وتشتمل مقاربة الجمعية على إنشاء صندوق (GDDF) يحفظ ملكية الدولة الكاملة لأصولها ويسمح من خلال تخصيص جزء من مداخيل هذا الصندوق لمصرف لبنان بأن يشطب الأخير ديونه على الدولة المقدرة بقيمة ٤٠ مليار دولار. كما تقترح ورقة الجمعية أن تتفاوض المصارف مع الدولة لإعادة جدولة ديون المصارف لناحية إطالة آجال القروض وتخفيض مردودها بحيث تتراجع نسبة الدين إلى الناتج من المستوى الحالي (١٧١٪) إلى ٧٤٪ في العام ٢٠٣٠ دون أي اقتطاع (Haircut) على الديون وعلى الودائع.

أما المحور الثاني لورقة الجمعية، فيرتكز إلى تصحيح مالي ينتج فائضًا أوليًا معقولاً قدره ٢،١٪ بدلاً من ٤،٨٪ من الناتج بحيث لا ينعكس سلبًا على الأوضاع الاجتماعية لفئات الدخل اللبنانية الأكثر انكشافًا. ويقترح لهذا الغرض إنشاء شبكة أمان اجتماعي لا تقل عن ٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي خلال كامل فترة التصحيح المالي.

ويتمثل المحور الثالث بسياسة نقدية قائمة على توحيد سعر الصرف بحيث يصححّ بتدرّج مدروس الاختلالات في الموازين الخارجية وبحيث يضبط الضغوطات التضخمية القوية. ومن المهم أن يعتمد نظام الصرف «العائم الموجّه» حيث يتدخل البنك المركزي لتجنب التقلبات الحادة.

ويتضمن محور المعالجة الرابع إعادة هيكلة منظمة للمصارف، مصرفًا مصرفًا، تديرها السلطات النقدية والرقابية عملاً بقانون النقد والتسليف وفق المعايير المصرفية الدولية وضمن حيز زمني كافٍ تسمح به اتفاقات بازل. وتحدد هذه المقاربة بنية السوق، بما فيه عمليات الدمج والاستحواذ.

أخيرًا، تقترح مقاربة الجمعية في محورها الخامس تنويع الاقتصاد اللبناني وإعادة هيكلته بما فيه الإصلاحات البنيوية في أدائه كمحاربة الفساد المستشري وتخفيض كلفة تأسيس الأعمال، بالإضافة إلى سياسات تخفّض حجم الأنشطة الاقتصادية الموازية وغير المرخّصة…

الفارق الأساسي بين خطة الحكومة وخطة المصارف ورؤية مصرف لبنان يتعلق بالتوصيف أولاً والمعالجة ثانيًا ورسم خارطة الخروج من النفق ثالثًا، إذ بينما تتجاهل الحكومة مسؤولية الحكومات المتتالية ومجالس النواب والقطاع العام في بلوغ الأزمة المالية والاقتصادية والنقدية أَوجها، تسلك طريق الإقتطاع والشطب للديون في معالجتها للواقع وصولاً للعودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ثورة ١٧ تشرين الأول من العام الماضي… في حين تغوص خطة المصارف في الأسباب الحقيقية عارضة طريق التعافـي من خلال مساهمة الدولة في قسطها من الأضرار ومن خلال إصلاحات بنيوية تشمل مرافقها العامة كافة.

الأزمة كبيرة وخطيرة. ومن واجب القطاعات الحية والمنتجة عدم السماح للحكومة بإتباع خطة تقود لبنان إلى الإفلاس مجددًا.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة