- حزيران/يونيو 319 - المراقب المالي

حمائية ترامب بلا معرفة ولا صبر

بقلم: روبرت زوليك*

 

يعتقد وزير التجارة الأميركي أن خليطاً من الحمائية وإدارة حركة التجارة سوف يضمن تعاطف الديمقراطيين في الكونجرس وكسب أصواتهم. لكنني أشكّ في أن الإدارة قادرة على تغيير مواقف الديمقراطيين حيال حمائية ترامب.

أربكت مناورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول التجارة شعوب العالم كافة. وربما يكون ذلك الإرباك مبرراً لأن ترامب ينتفض على سياسة أميركية عمرها يزيد على سبعين عاماً.

والجدل الدائر مؤخراً حول التجارة مع الصين هو أحد أعراض تلك الانتفاضة. ويطلب الرئيس الأميركي من بكين إلغاء عجز بقيمة 200 مليار دولار في الميزان التجاري بين البلدين. ويقترح الصينيون شراء المزيد من المنتجات الزراعية الأميركية ومزيداً من الطاقة والطائرات بحيث يتم تعديل الميزان التجاري دون إجراء إصلاحات جذرية. ويمكن للصين أن تخفض التعرفة الجمركية على وارداتها من السيارات رغم أن المستفيد الأكبر من ذلك ستكون اليابان ثم الاتحاد الأوروبي.

ونظراً لبلوغ المفاوضات الأميركية الصينية مرحلة حرجة، فسوف يلجأ الرئيس ترامب لإدارة عملية التوصل الى صفقة شخصياً وبشكل مباشر. لكنه لا يملك الخبرة ولا الصبر المطلوبين لمعالجة تفاصيل التحديات وعلى رأسها متابعة بكين تنفيذ حملة ابتكاراتها “صنع في الصين 2025” بطريقة طبيعية و أكثر انفتاحاً. والمخرج البديل المتاح أمام واشنطن هو حظر الاستثمارات الصينية وفرض القيود التجارية حسب معدلات الطلب في كل مجال.

فكيف يحاول الأميركيون الاستفادة من توجهات ترامب؟

أولاً، وقبل كل شيء، يصرّح الرجل علانية بأنه حمائي، وينبغي تصديق ما يقول. فهو مهتم بإغلاق الأسواق أكثر من فتحها. ويدرك مصدرو المنتجات الزراعية ما يترتب على هذا التحول ويمارسون ضغوطاً على الرئيس لقبول الحلول الوسط. وبما أن نسبة 60% من الواردات الأميركية هي سلع وسيطة فإن غالبية رجال الأعمال الأميركيين يشعرون بالقلق.

وينظر ترامب الى العجز في الميزان التجاري مع أي  دولة من منظور الربح والخسارة ومن هنا تجده مصراً على مواقفه التي يعارضه فيها الكثير من خبراء الاقتصاد. وهو الآن في موقع المسؤولية، وهناك عدد من الدول على قائمة المستهدفين في مقدمتها ألمانيا، اليابان، الصين، المكسيك وكوريا الجنوبية.

وقد كانت التجارة في صلب حملته الانتخابية إضافة الى الهجرة والجدار مع المكسيك، نقاط مشتركة تلاعب بها بمشاعر الناخبين المستائين وسوف يستمر في اللعب على نفس الوتر لضمان شعبيته.

وللتجارة رمزية خاصة في قطاع الصناعات التقليدية خاصة الفولاذ والألمنيوم والسيارات. ويمكن للناس معرفة نواتج هذه القطاعات بوضوح بينما تغيب عن أعينهم نواتج قطاعات أهم مثل قطاع التقنية والخدمات. كما يحرص ترامب على نقض ما خلفه رؤساء سابقون من إرث فينسحب من الاتفاق النووي الكارثي في نظره مع إيران، ويسعى للقاء الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج.

ويعتقد وزير التجارة الأميركي أن خليطاً من الحمائية وإدارة حركة التجارة سوف يضمن تعاطف الديمقراطيين في الكونغرس وكسب أصواتهم. ولكنني أشك في أن الإدارة قادرة على تغيير مواقف الديمقراطيين حيال حمائية ترامب.

ويعتقد ترامب أن الظروف الحرجة وتحقيق الخروقات يصب في مصلحته ويسعى لتوظيف التهديدات والمفاجآت لإرغام خصومه على الخضوع، وهذا النوع من المقامرة بات خطراً على عدد من القضايا ذات شبكة العلاقات المعقدة. وعلى سبيل المثال كشف تقلب مواقف ترامب من شركة “زد تي إي” التقنية الصينية عن التباس وجهل يعاني منه في قضايا الأمن وسلاسل التوريد والمزايا التقنية على المدى البعيد.

كما كشفت مفاوضات إدارته التجارية مع كوريا الجنوبية، عن عقم سياسته حيث سلطت عملية إعادة التفاوض الضوء على مكاسب لقطاع السيارات والفولاذ وقصور في صادرات كوريا الجنوبية من الأجهزة الكهربائية للأسواق الأميركية. مثل هذه المزايا لن تغير مواقف أعضاء الكونغرس بل تتسبب في زيادة أسعار السلع في الولايات المتحدة.

أما مفاوضات التجارة الحرة مع دول أميركا الشمالية “نافتا” فتذكرنا بالتخطيط المركزي للاقتصاد في ظل الدولة السوفييتية. فقد استغرق التفاوض حول تفاصيل النواتج ومعدلات الأجور معظم وقت التفاوض، وفي حال وجدت كندا والمكسيك نفسها مرغمة على القبول، فسوف تقع الدول الثلاث في نفق نزاعات تجارية لا تنتهي.

ومنذ عشرين عاماً وضعت الولايات المتحدة استراتيجية تطوير التجارة الحرة، وضم الصين الى منظمة التجارة العالمية بهدف تطوير وتنشيط حركة التبادل بين دول العالم وتحديث أساليب عمل المنظمة. إلا أن الرئيس ترامب تخلى عن هذه الاستراتيجية وسيكون هو وأميركا أكبر الخاسرين.

 

*رئيس البنك الدولي الأسبق

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة