ثلاثة أشهر على بدء العام ٢٠١٩، ولا يوجد حتى الساعة أية إجراءات تصحيحية في المالية العامة، وباستثناء تحذيرات من مسؤولين ودعوات الى اتخاذ خطوات جريئة… فإن كل المؤشرات تدل إلى أن لبنان مقبلٌ على مرحلة خطرة ستكون عواقبها وخيمة جدًا في غياب اجراءات سريعة وجديّة.
تسعة أشهر حتى نهاية العام ٢٠١٩ ولا يوجد حتى الساعة موازنة، والانفاق العام سيستمر على وتيرته التصاعدية والدين العام يزداد وخدمته أيضًا. واستحقاقات اليوروبوند البالغة ٤،٧٦ مليار دولار في الأشهر المقبلة ترخي بثقلها على أسعار السندات الحالية والثقة المستقبلية، لاسيما بعدما سجل ميزان المدفوعات عجزًا تاريخيًا ومعه الميزان التجاري، اضافة إلى ذلك، حصول تراجع في الموجودات الخارجية الصافية للقطاع المالي… في مؤشرات واضحة إلى تراجع الثقة بالمستقبل.
كان من المفترض خفض عجز العام الماضي بمبلغ ٥٠٠ مليون دولار أميركي، فزاد العجز بدلاً من ذلك، بما يفوق هذا المبلغ. وكل التقديرات تشير إلى أنه، هذا العام، سيزيد عن ذلك، على رغم كل الكلام والتطمينات الرسمية، ذلك أن أفعالهم تدحض أقوالهم، وكلام المجالس الخاصة يختلف بكليته عن التصريحات الشعبوية الفارغة من كل المفاهيم العلمية الدقيقة والصريحة.
سيناريو الـ ٩ مليارات دولار أميركي عجز في موازنة العام ٢٠١٩، هو السيناريو الأكثر واقعية في حال لم يتم القيام بأية اجراءات تصحيحية فعلية، وهذا الرقم مرشح للوصول إلى عتبة الـ ١١ مليار دولار في موازنة العام ٢٠٢٠، أي أن الدين العام سيصل مستواه إلى الناتج المحلي الاجمالي ٢٠٠٪.
الفساد الذي يكلف الاقتصاد الوطني، مليارات الدولارات سنويًا، ويضرب عميقًا في بنية المجتمع وأخلاقه وقيمه ومبادئه وانسانيته… يبدو أن المعركة التي يخوضها العهد في مواجهته، تواجه صعوبات عدة.
ننظر بعين الثقة إلى ما أكده رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في موضوع محاربة الفساد، ولاسيما تأكيده بأنّ لا حصانة لأحد في معركة مكافحة الفساد، وكل متهم عليه أن يمثل أمام القضاء. نثق بكلام رئيس البلاد ونتلمّس جدية استثنائية هذه المرة، لكن إن لم نرَ الفاسدين من كبار القوم ـ وهم معروفون بالأسماء والعناوين والسرقات والحسابات المصرفية ـ خلف قضبان العدالة أو تحت قوسها، فستظل جذور الفساد آمنة. وان لم نرَ أيضًا مسؤولي الصف الأول يُساءلون ويُحاكمون، فلا أمل يرتجى وان صدُقت وخلُصت النوايا.
الخطوط الحمر يجب أن تسقط عن الفاسدين والمفسدين والسارقين. وواضعي الخطوط الحمر يجب تصنيفهم في خانة واحدة ووضعهم في قفص اتهام واحد، مع المرسومة الخطوط الحمر حولهم. أموال الشعب للشعب ولا خطوط حمر حول ناهبيها.
ضبابية المشهد وسوداويته يخترقها مؤتمر «سيدر» أو هكذا يَرسم «المخرج» مشهدًا متفائلاً بريشة مجموعة من المشاريع والإستثمارات تصل قيمتها الى نحو ١١،٥ مليار دولار أميركي.
في نيسان/إبريل من العام ٢٠١٧، وخلال مؤتمر الدعم للنازحين السوريين في بروكسل، قدمت الحكومة اللبنانية نسخة عن رؤيتها لتحقيق الثبات الإقتصادي والمالي في لبنان، لتخفيف وطأة التداعيات السلبية للنزوح السوري الضاغط. هذه الرؤية تمحورت حول خلق فرص عمل، استعادة النمو الإقتصادي ووضع الأسس لنمو مستدام على الأمد البعيد. من هذا المنطق قامت الحكومة بتحضير ما يسمى بـ «برنامج الانفاق الاستثماري» أو (Capital Investment Program) الذي اعتمد كأساس لمؤتمر «سيدر».
كل الذي قامت به الحكومة منذ نيسان/إبريل ٢٠١٧ حتى تاريخه يخالف التزاماتها في «سيدر» إلى حد دفع بالسفير الفرنسي بيار دوكان، المكلف متابعة مقررات مؤتمر سيدر، لإبداء خيبة أمله واحباطه بعد زيارته الأخيرة للبنان والتصريح «أن لبنان غير قابل للإصلاح».




