- العدد السنوي كانون الثاني/يناير 2021- المراقب التأميني

حقائق الأرقام تعاكس الخلافات السياسية

قال الرئيس السوري بشار الأسد أن «السبب الرئيسي» وراء الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في سوريا، يعود إلى ودائع السوريين المحتجزة في مصارف لبنان.

وأضاف خلال جولة في معرض تجاري مقام في دمشق بمشاركة منتجين من حلب: «القضية ليست الحصار، وإذا الحصار على حلب لم يقدر أن يؤثر، فإذًا الحصار على سوريا، والذي لا يمكن أن يكون أقسى من حصار حلب، لن يكون السبب وراء المشكلة (الاقتصادية) التي نمر فيها، هناك موضوع النفط نتأثر به وموضوع القمح وتوريده وحرقه في المناطق الشمالية الشرقية لا شك أن له تأثيرًا.

وأضاف أن «ودائع السوريين، التي تقدر بالمليارات والمحتجزة في القطاع المالي اللبناني هي السبب الرئيسي وراء الازمة».

وأوضح قائلاً: إن «المشكلة الاقتصادية لها سبب آخر لا أحد يتكلم فيه وهو الأموال التي أخذها السوريون وأودعوها في لبنان وعندما أغلقت المصارف في لبنان دفعنا الثمن، هذا هو جوهر المشكلة التي لا يتكلم أحد بها، طبعًا من السهل أن نلوم دائمًا الدولة والحكومة، الأخطاء موجودة لدى الجميع هذا موضوع آخر، لكن الأزمة الحالية ليست مرتبطة بالحصار، الحصار مستمر منذ سنوات ولا يعني هذا أن الحصار أمر جيد وأن الأميركيين أبرياء، لكن الأزمة الحالية التي بدأت منذ نحو أشهر عدة سببها هذا الموضوع (الأموال المودعة في لبنان)».

وأشار إلى أن ودائع السوريين في المصارف اللبنانية تقدر ما بين ٢٠ و٤٢ مليار دولار، وقال: «لا نعرف ما الرقم الحقيقي، وهذا الرقم بالنسبة للاقتصاد مثل اقتصاد سوريا هو رقم مخيف».

ليست المرة الاولى يثار فيها موضوع حجم الودائع السورية في لبنان، ولكن الرقم الذي أورده الرئيس السوري بشار الأسد (٤٢ مليار دولار في حدّها الأقصی) أثار زوبعة من الانتقادات والاستهجان، خصوصًا أنه ربط أزمة «حجز الودائع» بتفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا، التي قدّرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) خسائرها بحلول نهاية السنة الثامنة من النزاع في سوريا، بما يفوق الـ٤٤٢ مليار دولار.

وبغضّ النظر عن الخسائر التي تكبّدها الاقتصاد اللبناني من جراء تهريب المحروقات والدولارات من لبنان ومساهمتها في صمود السوريين في مقابل تراجع قدرة اللبنانيين، لا شك في أن الرقم الذي أورده الرئيس الأسد «خياليّ»، خصوصًا اذا ما أخذنا في الاعتبار أن لبنان يعتمد الشفافية المطلقة في التصريح عن إدخال أموال وودائع سورية الى مصارفه، على خلفية العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على سوريا منذ الثمانينات من القرن الماضي، وتاليًا فإن الحديث عن حجم الودائع السورية أمر مبالغ فيه نظرًا الى المعايير التي وضعها مصرف لبنان، والتشدد في حجم المبالغ الموضوعة في المصارف عبر التدقيق في حجم الأموال.

وليس خافيًا انه مع استفحال الأزمة السورية، عمد عدد من كبار المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال السوريين إلى نقل أموالهم إلى الدول المجاورة ومنها لبنان وإن كان بنسبة أقل. إلا أن هذه العمليات اصطدمت في ما بعد بتشدد المصارف اللبنانية التي بدأت تطبّق نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بسبب تخوّفها من المساءلة الاميركية والاوروبية حيال دورها في تسهيل الطريق أمام سوريا للتفلّت من العقوبات الدولية، وترجم ذلك برفض القطاع المصرفـي فتح حسابات مصرفية جديدة للسوريين عمومًا ما دفعهم الى نقل أموالهم إلى دول أخرى مجاورة. ومن الأسباب التي ساهمت في تراجع حجم ودائع السوريين، رفع لبنان مستوى التشدد والرقابة بعد بدء تطبيق قانون الامتثال الضريبي الأميركي («فاتكا») لاستيفاء الضرائب من الأميركيين أو الذين يحملون الإقامة في الولايات المتحدة ويقيمون في الخارج.

ويؤكد الأمين العام لجمعية مصارف لبنان الدكتور مكرم صادر في هذا الاطار أن القطاع المصرفـي يتشدد في المراقبة في ظل العقوبات المفروضة على سوريا ويراقب عمليات الايداعات السورية، علمًا ان ثمة رجال أعمال يقيمون في لبنان وليست لهم علاقة بالنظام، ولديهم رخص لاستيراد مواد الى سوريا لا تشملها العقوبات ويفتحون اعتمادات في شكل عادي.

ويشكك صادر بالأرقام المتداولة عن حجم الودائع السورية، وكل ما يشاع برأيه هو لـ «ذرّ الرماد في العيون»، مستندًا الى حجم ودائع غير المقيمين (تحديد غير المقيم يرتبط بالشخص الذي ليس لديه عنوان في لبنان) والتي تقدّر بنحو ٢٧ مليار دولار، منها ٥ مليارات خرجت من لبنان منذ آخر الـ ٢٠١٩ حتى اليوم. وإذ أكد أنه لم يحصل في تاريخ القطاع المصرفـي اللبناني أن وصل حجم الودائع السورية إلى ٤٠ مليار دولار، استبعد أن يكون حجمها حاليًا أكثر من مليارين أو ٣ مليارات دولار، مع الإشارة إلى أن ودائع المقرّبين من النظام السوري، والتي من المفترض أن تكون كبيرة، صبّت في غالبيتها بعد العام ٢٠١١، في المصارف الروسية والبلغارية وقسم منها ذهب الى دبي وأبو ظبي.

الودائع السورية في لبنان ليست بالحجم الذي أعلنه الأسد، فالرقم غير دقيق على الإطلاق. والودائع السورية بغالبيتها سحبت من لبنان خلال الأزمة السورية، كما يؤكد الخبير الاقتصادي والمصرفـي د. غسان عياش. واذ يذكر عياش بأن الأزمة الاقتصادية السورية تزامنت مع الحرب العام ٢٠١١ حين بدأت الليرة السورية بالتراجع، يسأل هل ما حصل في الأشهر الأخيرة في لبنان يمكن أن يكون سببًا رئيسًا للأزمة السورية المستمرة منذ سنوات؟

الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود أكد «أن حجم ودائع السوريين في المصارف اللبنانية يشكل نحو ٦٪ من إجمالي الودائع، أي لا يتجاوز ٧ مليارات دولار»، رافضًا تحميل القطاع المصرفـي اللبناني مسؤولية الأزمة السورية القائمة. ولفت حمود إلى «أن لا قيود على إجمالي الودائع سواء كانت للسوريين أو لغيرهم، وإنما هناك أزمة دولار تعاني منها مصارف لبنان، ولو كنا في وضع طبيعي لأعطينا «كل صاحب وديعة حقه بسحبها»، كما أوضح أنّ «الجزء الأكبر من ودائع السوريين في المصارف اللبنانية يعود إلى أفراد ليس لهم علاقة بالأعمال التجارية».

كما أكد أن «القطاع المصرفـي ونتيجة للأزمة التي يمرّ بها معرّض لنزاعات قانونية سواء داخل لبنان أو خارجه».

كذلك، استندت مصادر مصرفية رفيعة في ردّها على الأسد إلى النشرة الشهرية الصادرة عن مصرف لبنان التي اظهرت أن إجمالي الودائع لغير اللبنانيين بلغت ٤٣ مليار ألف ليرة أي ٢٧ مليار دولار أميركي موزعة على جنسيات متعددة».

ولفتت إلى «أن ما زعمه بشار الأسد بأن ودائع السوريين المحتجزة في المصارف اللبنانية تبلغ ٤٠ مليار دولار غير صحيح، لأن إجمالي ودائع السوريين في لبنان لا يتجاوز ٦ مليارات دولار».

كما أوضحت «أن قرابة الـ٤٠٪ من مالكي عقارات وشقق سكنية في وسط بيروت هم سوريون ومن كبار التجار، لذلك اودعوا أموالهم في مصارف لبنانية».

بعد الاصلاحات التي أجريت في سوريا أصدرت الحكومة السورية في العام ٢٠٠١ التشريعات المناسبة لإنشاء مصارف خاصة، لا سيما القانون الرقم ٢٨/٢٠٠١ بعدما كان الأمر يقتصر على المصارف الحكومية، فتمّ إنشاء ١٤ مصرفًا خاصًا بينها ٧ مصارف بمساهمات من مصارف لبنانية، وبلغت الودائع لدى هذه المصارف ١،٢٥٠ مليار دولار في العام ٢٠١٩ بارتفاع نسبته ٢،٧٧٪ عن العام ٢٠١٨، بما يفسّر أن قسمًا من الودائع السورية في لبنان عاد الى سوريا، وإن كانت هذه النسبة متواضعة وفق ما يقول رئيس قسم البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة «بنك بيبلوس» نسيب غبريل.

واذا كانت الودائع السورية في المصارف اللبنانية ليست حديثة «بل هي موجودة منذ عشرات السنين نظرًا الى عوامل جذب عدة، منها أن القطاع المصرفـي اللبناني هو قطاع خاص والاقتصاد اللبناني منفتح ومبني على اقتصاد السوق»، إلا أن غبريل يرى أن «من الصعب تقدير حجم ودائع السوريين في القطاع المصرفـي اللبناني على اعتبار ان الودائع لیست مقسمة بحسب الجنسية أو بحسب المصدر، بل مقسمة الى ودائع مقيمين وودائع غير مقيمين».

من الواضح أن الرئيس الأسد استند في ارقامه الى بعض الدراسات والاحصاءات السورية واللبنانية، ولعل آخرها دراسة المرصد العمالي للدراسات والبحوث حول آثار الأزمة اللبنانية على الاقتصاد السوري، والتي قدرت إيداعات السوريين في المصارف اللبنانية بنحو ٤٥ مليار دولار حاليًا. وبحسب الدراسة، بدأت الآثار النقدية والمالية للأزمة اللبنانية أخيرًا بالظهور في شكل سريع لم يسبق له مثيل، على الاقتصاد السوري، كما أن المصرف المركزي اللبناني اتّخذ عددًا من الإجراءات النقدية التي من شأنها خفض حجم المضاربة وتهدئة السوق اللبنانية. لكن هذه الإجراءات انعكست في شكل مباشر على الاقتصاد السوري، ومن أبرز تلك الإجراءات دفع الحوالات الواردة من الخارج للسوريين إلى لبنان بالليرة اللبنانية بدل دفعها بالدولار، وهذا ما حرم الاقتصاد السوري نحو ٤ ملايين دولار يومية تأتي من لبنان إلى سوريا لتمويل الأسر السورية واعالتها.

الى ذلك، ثمة احصاءات نشرتها «الدولية للمعلومات»، قدّرت فيها حجم ودائع السوريين في المصارف اللبنانية بنحو ٣٧  ٤٠ مليار دولار، وهو أمر عاد وأكده الباحث فيها محمد شمس الدين. هؤلاء السوريون كانوا يفيدون من الفوائد على هذه الودائع وينفقونها سواء في لبنان أو ينقلونها إلى سوريا ضمن حرية تحويل الأموال المعمول بها في لبنان، ولكن هذا الأمر توقف مع القيود المصرفية على السحوبات المفروضة منذ ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٧، والتي زادت حدتها في الأشهر الماضية. إلا أنها أشارت في الوقت عينه الى أنه لا تتوافر أرقام دقيقة عن حجم ودائع السوريين في المصارف اللبنانية، إذ إن بعضهم يحمل الجنسيتين اللبنانية والسورية معًا بعد مرسوم التجنيس في العام ١٩٩٤. وفي نهاية العام ٢٠١٩ بلغت ودائع القطاع الخاص غير المقيم لدى المصارف التجارية ٣٢،٥ مليار دولار مقابل ٣٧،٧ مليار دولار في نهاية العام ٢٠١٨ ومعظم هذه الودائع هي لمواطنين سوريين مع أقلية من دول الخليج.

ووفق إحصاءات حديثة، بلغت الودائع في القطاع المصرفـي اللبناني ١٤٢ مليارًا و٢٠٠ مليون دولار في آخر أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠، منها ٢٧ مليارًا و ٤٠٠ مليون دولار ودائع لغير المقيمين بما يوازي ١٩٪ من مجموع الودائع. ويؤكد غبريل أن «ودائع غير المقيمين هي في معظمها ودائع للبنانيين مغتربين في الدول العربية والأفريقية والأميركية، وايضًا ودائع لمواطنين من دول عربية وخليجية، اضافة الى ان الكثير من السوريين لديهم الجنسية اللبنانية، وتاليًا لا يمكن حصر ودائع غير المقيمين بودائع السوريين… وثمة عامل مهم آخر هو ان الودائع في لبنان خاضعة للسرية المصرفية، وتاليًا من الصعوبة تحديد حجم الودائع السورية».

يؤكد البعض ان حجم الودائع السورية ارتفع بعد العام ٢٠١١، بدلیل ارتفاع احتیاط مصرف لبنان في تلك الفترة من ٢٩ مليار دولار إلى ٣٧ مليارًا، وهي الفترة التي شهدت انخفاضًا في واردات السياحة وتراجع تحويلات اللبنانيين، إلا أن غبريل يدحض هذه «المزاعم» بدلیل العجوزات التي بدأ يسجلها ميزان المدفوعات منذ ٢٠١١ ولغاية اليوم، وذلك بعد الفوائض التي سجلها حتى ٢٠١٠. ويشير الى عامل مهم آخر، هو انه «بدءًا من العام ٢٠١٢ حين تفاقمت الأزمة السورية حاول بعض رجال الأعمال والصناعيين نقل أعمالهم الى لبنان لكنهم واجهوا كلفة تشغيلية مرتفعة ومعوقات بيروقراطية حيال تسهيل إجراء المعاملات، وعندما وجدوا أن بيئة الأعمال والاستثمار غیر مؤاتية، نقلوا اعمالهم الى دول أخرى مثل مصر ودبي والأردن، وتاليًا فإن الودائع او الأموال التي كان يمكن أن يستخدموها في لبنان استثمرت في دول أخرى عربية وغير عربية».

صحيح أنه يمكن أن يكون للأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية في لبنان تداعيات على الاقتصاد السوري، ولكن أزمة الاقتصاد السوري ناتجة في شكل اساسي وفق ما يقول غبريل «من الحرب التي اندلعت في العام ٢٠١١، والتي قدّرت الأمم المتحدة خسائرها بنحو ٤٢٠ مليار دولار بين ٢٠١١ و٢٠١٨، منها ٣٢٥ مليار دولار خسائر من جراء تراجع الحركة الاقتصادية». واذ لا ينكر أن تعافـي الاقتصاد السوري وخروجه من الأزمة يصبّ في مصلحة الاقتصاد اللبناني والعكس صحيح، لفت الى ان «عشرات الآلاف من العمال السوريين في لبنان يرسلون الأموال بالعملات الأجنبية الى بلادهم، بما يساهم في انعاش الاقتصاد السوري وتراجع مستوى الأجنبي «في لبنان».

 

الأسد: ودائع السوريين المحتجزة في القطاع المالي اللبناني هي السبب الرئيسي وراء الأزمة الاقتصادية في سوريا

صادر: كل ما يشاع هو لـ”ذرّ الرماد في العيون”

عياش: الودائع السورية سُحبت بغالبيتها من المصارف اللبنانية

حمّود: ٦٪ من إجمالي الودائع حجم ودائع السوريين في المصارف اللبنانية

غبريل: الودائع ليست مقسّمة بحسب الجنسيات بل ودائع مقيمين وغير مقيمين

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة