- تموز/يوليو 320 - المراقب المالي

جاك سعادة، جبّار من لبنان

فقدت فرنسا، ومعها لبنان، شخصية فريدة، وصفتها صحيفة “Le Figaro” في عنوان لمقال مخصّص لها عند إعلان وفاتها بما يلخّص في كلمات معدودة، إنجازاتها وحضورها وسطوتها: “جاك سعادة، وفاة جبّار البحار”.

مّن تسنّت له الفرصة للتعرّف على جاك سعادة عن قُرب، لا يسعه إلاّ أن يعتبر نفسه واقفًا، ومن أول لقاء به، أمام جبّار بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى.

قيل تقريبًا كل شيء عن مسار حياته في الحقل المهني، أي النقل البحري. ولم تغب عنّا كذلك الصفات الفريدة التي كان يتمتّع بها، في جميع الأوساط المهنية والاقتصادية، لا بل السياسية والوطنية منها، فأضحت ملازمة لشخصه: “رجل بُعد النظر” (le visionnaire)، الشجاع، المثابر؛ الرجل الذي يواجه كل الصعوبات والعوائق، وينجح في تجاوزها…

في التعريف عن مجموعة CMA CGM التي أسّسها وترأسها وأدارها جاك سعادة، كانت هذه المجموعة والمشرفون عليها، يعنونون هذا التعريف بعبارة “مغامرة CMA CGM” أو “L’aventure CMA CGM”…

كانت بالفعل مسيرة تكاد أن لا تصدَّق. بدأت عام 1978، عندما قرّر جاك سعادة الانتقال الى مرسيليا، لتأسيس عمل يؤمّن له ولعائلته العيش اللائق في مكان ينعم بالاستقرار.

انطلقت الرحلة من شركة CMA التي ترأسها منذ البدء، وكان يعاونه فيها أربعة موظفين، وموضوعها استثمار باخرة يتيمة تؤمّن خطًا بحريًا بين مرسيليا، إيطاليا، سوريا ولبنان. ومن ثم اندمجت هذه الشركة مع الشركة الوطنية الفرنسية CGM.

فأين أضحت بعد برهة من الزمن؟

لا مجال هنا، لوصف هذه “المسيرة” وتعداد المراحل التي مرّت بها، بل يكفي القول بأن شركة CMA CGM، بعد انطلاقتها المتواضعة، أضحت بواخرها، بعد فترة وجيزة، تجول بالمئات في جميع البحار والمحيطات، لتأمين النقل الى كل القارات… وتُعدّ حاليًا من جبابرة النقل البحري، في المرتبة الثالثة عالميًا.

ولا مجال أيضًا للكلام عن قُدرة جاك سعادة على مواجهة الصعوبات التي كادت أن تعرقل المسيرة، كالأزمات الاقتصادية والمالية العالمية، بحيث أدهش كل الأوساط الرسمية والمصرفية والاقتصادية بقدرته الباهرة على إيجاد الحلول وتجاوز الصعوبات. وبهذا، عبّرت فرنسا الرسمية مرارًا وتكرارًا عن إعجابها بالرجل، وعن امتنانها لما قدّمه لوطنه الثاني، فرنسا، من مساهمة عظيمة في تطوير الاقتصاد المحلي، ورفع علم فرنسا، أينما حلّ في كل أرجاء المعمورة، من خلال البواخر التي يتألف منها أسطول CMA CGM.

من موقعي المتواضع، كأحد المستشارين القانونيين، حصل لي شرف المشاركة في الاحتفالات التي أقيمت على شرفه، من بينها التكريم في قصر الإليزيه، حيث مُنح مرّة إضافية وعلى يد رئيس فرنسا أهم وسام فرنسي، ولدى تدشين بعض الناقلات الضخمة، في مرسيليا أو لوهافر، بحضور رئيس جمهورية فرنسا، وسواها من المناسبات. كان التأثّر يعمّ كل الحضور، ولا سيما أفراد عائلته، وأصدقائه القادمين من كل مكان.

حصل لي شرف معرفته كرجل “جبّار”. وكنت مندهشًا بالدقة التي كان يلتزمها في العمل، وبنوع من القسوة عندما كان الأمر يتعلّق بالإنضباط المهني.

وما لفتني هو هذا الدمج بين القسوة والدقة من جهة، والطابع الإنساني من جهة ثانية. فبعد كل مقابلة، مع أي مسؤول، أو موظف بسيط، أو أيّ كان، كان محاوره يخرج على الدوام من مكتبه مبتسمًا وشاكرًا…

وما أدهشني أكثر فأكثر يكمن في أن جاك سعادة، وعلى الرغم من كل التقدير الفرنسي، والإعجاب بشخصه في غالبية دول العالم، لم ينسَ لحظة واحدة لبنان بلده الأساسي. فكان همّه الدائم إدراج إسم لبنان في كل مناسبة، أكانت رسمية أو غير رسمية، ساعيًا الى مساعدة وطنه بكل ما قُدّر له بأن يفعل في هذا المجال، إنطلاقًا من بناءً مقرّ ضخم في بيروت لمجموعته، وتطوير نشاطها في هذا البلد، حتى الوصول إلى إجراء مساهمات لتشجيع المرافق الاقتصادية، المصرفية والإنتاجية.

كلّ ذلك بتواضع وبكل ابتعاد عن كلّ فكرة “دعاية” أو “الظهور إلى الواجهة”. فالتواضع كان من شيمه.

هذه المجموعة تشارك وتساهم في مؤسسات لبنانية محلية من دون ضجيج أو أية مواكبة إعلامية. إن CMA CGM هو أكبر ناقل بحري يساهم في تشغيل مرفأ بيروت، كما أن هذه المجموعة تقوم بإنشاء ما يسمى بـ “المرفأ الجاف” في  البقاع.

وفي طرابلس، عمدت المجموعة الى المساهمة في تطوير المرفأ.

ناهيك عن التعاون مع مؤسسة ESA لتشجيع المؤسسات الصاعدة (Startup)، وتمكين الشباب للتخصّص في مجال التكنولوجيا في حقل النقل البحري، والحصول على شهادات في هذا المجال.

مَن شارك في وداع جاك سعادة في كاتدرائية La Majore، في مرسيليا أشعرته الجمهورية الفرنسية التي حضرت بأكملها ـ إذا جاز التعبير ـ بحزنها العميق لخسارة رجل عظيم، قال فيه ممثل الرئيس الفرنسي، ووزير خارجيته جان إيف لو دريان كلمة أثارت مشاعر جميع الحاضرين، وفي مقدّمهم أعضاء الحكومة الفرنسية، والرسميون الذين كانوا ينصتون بخشوع مهيب. فيما منظر البواخر وحاملات الحاويات الضخمة التابعة لـ CMA CGM المتوقفة في عرض البحر قبالة الكاتدرائية، وهي تطلق أبواقها العميقة مودّعة الراحل على طريقتها، زاد من مهابة المناسبة.

حضر لبنان ممثلاً بالوزير ميشال فرعون، الذي منح جاك سعادة باسم رئيس الجمهورية اللبنانية الوسام الذي يُمنح بعد الوفاة.

غير أن العيون كانت كلّها متّجهة نحو الأوسمة العديدة المعروضة في الكاتدرائية، والتي مُنحت لجاك سعادة خلال حياته من دولة عُظمى قدّرته وكرّمته أكثر من مرّة.

سيبقى اسم جاك سعادة مرفوعًا، ومسيرة CMA CGM مستمرّة بفضل كل المعاونين، على رأسهم تانيا، رودولف وجاك جونيور.

جاك سعادة، لن ننساك.

 

جو خوري الحلو

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة