- تشرين الأول/أكتوبر 335 - المراقب المالي

تعميم مصرف لبنان عن الاعتمادات والبوالص المستندية:

أكثر من أسبوع عاشته السوق المالية في لبنان بقلق بسبب أزمة شح الدولار والتي انعكست على قطاعات عدة، منها المحروقات. نهاية الشهر الماضي تنفست السوق الصعداء مع صدور التعميم المنتظر من مصرف لبنان في شأن الاعتمادات والبوالص المستندية، والذي حدّد الآلية لتأمين التمويل بالدولار للاعتمادات المستندية المخصصة لاستيراد المشتقات النفطية والقمح والأدوية. وترك التعميم أصداءه على أداء الأسواق المالية اللبنانية عمومًا، خصوصًا أنه تزامن مع حديث عن إجراءات لضبط أداء الصيارفة، ولاسيما التقيد بالسعر الرسمي للدولار، مع حفظ هامش أرباحهم ضمن سقف أعلى وسقف أدنى.

يؤكد المدير العام المساعد رئيس قسم الأبحاث لدى بنك عوده الدكتور مروان بركات أن «حال البلبلة التي كانت رائجة في الأيام القليلة الماضية تبددت، وتنفست السوق الصعداء وعاد الهدوء ليعم، بحيث اقتصر النشاط على بعض التحويلات الخجولة لمصلحة الدولار». وأشار إلى أن التطورات التي شهدتها الساحة الداخلية أخيرًا جاءت في وقت لا تزال فيه عناصر الحماية أو خطوط الدفاع في لبنان تتمتع بمكانة جيدة. فقد بلغت الموجودات الخارجية لدى مصرف لبنان زهاء ٣٨،٥ مليار دولار في نهاية أيلول/سبتمبر ٢٠١٩، أي ما يعادل ٧٩٪ من الكتلة النقدية بالليرة و٢٣ شهرًا من الاستيراد».

إلى ذلك، تلقفت سوق السندات الأوروبوند اللبنانية التعميم بإيجابية، إذ تميزت السوق بعودة الإقبال الأجنبي المؤسساتي على مختلف الاستحقاقات، وهذا ما انعكس ارتفاعًا يوميًا في الأسعار وصل إلى ٠،٦٣ دولار. كذلك تراجع المردود على سندات الأوروبوند اللبنانية إلى ١٤،١٠٪ علمًا أنه كان قد بلغ مستوى قياسيًا مقداره ١٥،٠٨٪ نحو منتصف شهر أيلول/سبتمبر. وأكد بركات أن «تعميم مصرف لبنان سيساهم في تنظيم الفاتورة الاستيرادية وتنقيتها ومكافحة التهريب، بما قد ينعكس إيجابًا، في حال حسن التطبيق، على العجز التجاري الذي بلغ ٣٠ ٪ من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام وعلى ميزان المدفوعات الذي سجل عجزًا بقيمة ٤،٤ مليارات دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من ٢٠١٩».

إلا أن بركات يرى أنه من أجل ضمان ديمومة الاستقرار النقدي في المدى الأطول، «لا بد من تعزيز عامل الثقة عبر إرسال إشارات إيجابية للأسواق والمستثمرين والمودعين في ما يتعلق بعجز المالية العامة الذي يبقي الوهن الأساسي في الاقتصاد اللبناني بشكل عام. من هنا أهمية اعتماد موازنة تقشفية اصلاحية لسنة ٢٠٢٠ ضمن المهل الدستورية، والتي من شأنها خفض الإنفاق، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة التهريب وتحسين الحوكمة في القطاع العام»، معتبرا «أن سيناريو الهبوط الآمن للاقتصاد اللبناني وأسواقه المالية لا يزال ممكناً إذا صدقت نيات الإصلاح لدى السلطات وترجمت بخطوات عملية لاحتواء الاختلالات الماكرو – اقتصادية والمالية القائمة في لبنان».

ماذا عن تفاصيل الشقّين الإداري والتقني للتعميم؟

القرار الوسيط الرقم ١٣١١٣ تاريخ ٢٠١٩/٩/٣٠ والذي دخل حيز التنفيذ بدءًا من أول تشرين الأول/أكتوبر الجاري، هو تعديل للقرار الأساسي الرقم ٧١٤٤ تاريخ ١٩٩٨/١٠/٢٨ (الاعتمادات والبوالص المستندية) المرفق بالتعميم الأساسي رقم ٥٢. وهذا الأخير وفق ما يقول الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة، هو «تعميم يطال تكوين الهوامش النقدية الخاصة بالاعتمادات المستندية وكيفية كتابتها الحسابية ورفع التقارير إلى مصرف لبنان».

وتنص المادة الأولى من التعميم الأساسي رقم ٩٨/٧١٤٤ على أن «تلزم المصارف العاملة في لبنان زبائنها هامشًا نقديًا بنسبة ١٥٪ من قيمة الاعتمادات المستندية كافة المفتوحة أو التي ستفتح للاستيراد، بما في ذلك العمليات التي تجري لمصلحة الإدارات الرسمية والمصالح المستقلة، وذلك بالعملات الأجنبية نفسها المتفق عليها في كتب فتح الاعتمادات».

وأتى القرار الوسيط الرقم ٢٠١٩/١٣١١٣ ليضيف مادة جديدة «المادة الأولى مكرر» والتي خصّت فتح اعتمادات مستندية حصرًا باستيراد المشتقات النفطية (بنزين، غاز، ومازوت)، القمح والأدوية.

في الشق التقني، تعدّ «الاعتمادات المستندية» إحدى أكثر طرق الدفع أمانًا في التجارة الدولية، حيث توفر للمصدر ضمانًا مشروطاً للدفع من مصرف المستورد (أي شركات استيراد المشتقات النفطية) ووفق عجاقة، تتطلب «الاعتمادات المستندية تقديم مستندات محددة (فاتورة، بوليصة الشحن، تأمين، قائمة التعبئة، شهادة المنشأ، الشهادات والإعلانات، تصديق الوثائق…) يجب التزامها قبل أن تتم عملية الدفع»، مذكرًا بأن «المصارف التي تفتح اعتمادات مستندية تُقيّم المستندات المتعلقة بالائتمان المستندي دون النظر إلى المقود أو الاتفاقات بين المصدر والمستورد».

ينص القرار الذي أصدره مصرف لبنان على أن يتم فتح حساب خاص لدى مصرف لبنان لكل عملية موضوع الاعتمادات المستندية، وتوازيًا يتم تقديم نسخة من كل المستندات الآنفة الذكر، بالإضافة إلى اتفاق التمويل الموقع بين المصرف والشركة المستوردة. وبحسب القرار، يودع في كل حساب وبشكل منفصل ١٥٪ من قيمة الاعتماد المستندي المطلوب بالدولار الأميركي على الأقل، بالإضافة إلى ١٠٠٪ من قيمة هذا الاعتماد بالليرة اللبنانية. وفي المقابل يقوم مصرف لبنان بدفع فوائد على هذه الأموال، على أن يؤمّن قيمة هذه الاعتمادات بالدولار الأميركي عند الاستحقاق، هذه الخدمات تفرض عمولة لمصرف لبنان قيمتها ٠،٥٪ من كل عملية.

ويُحمّل القرار مسؤولية التحقق من صحة المستندات وحصرية استخدام هذه الاعتمادات لشراء المشتقات النفطية، القمح والأدوية، تحت طائلة فرض غرامات على المصرف المخالف.

يشار الى أن مصرف لبنان سمح للمصرف بتحويل فوري لقيمة الاعتماد المستندي المودعة بالليرة اللبنانية (١٠٠٪) الى دولار، شرط أن تبقى هذه الأموال في الحسابات الخاصة فترة لا تقل عن الأطول بين: ٣٠ يومًا، حتى تاريخ الاستحقاق الوارد في الاتفاق بين المصرف والشركة، أو تاريخ استحقاق القبولات المصرفية.

وللتذكير، فإن القبولات المصرفية هي عبارة عن ورقة قابلة للتداول (تشبه إلى حد بعيد الشيكات المؤجلة) يضمن من خلالها المصرف الدفع، بدلاً من صاحب الحساب. ويتم استخدام القبولات المصرفية من الشركات كوسيلة آمنة نسبيًا لدفع المعاملات الكبيرة.

ما أهمية التعميم اقتصاديًا؟ يعتبر قرار مصرف لبنان ذا أهمية مطلقة على صعدة متعددة، لعل أهمها تأمين تمويل الدولارات لشراء السلع الحيوية للمواطن اللبناني، أي المحروقات، بالإضافة إلى الأدوية والقمح.

ويؤكد عجاقة أن «مصرف لبنان سيتمكن عبر هذه العملية من السيطرة إلى حد بعيد على الطلب على الدولار الأميركي في السوق اللبنانية من خلال تنظيمه واعادته إلى القنوات المصرفية كما هو الأمر في كل دول العالم. وهذا الأمر سيجعل الطلب على الدولار لدى الصيارفة أقل بنسبة كبيرة، نظرًا إلى أن حجم سوق المشتريات للمواد الأساسية هو حجم هائل جدًا».

ومن فوائد هذا التعميم لجم التهرب الضريبي عبر إعادة العمليات التجارية إلى القنوات المصرفية، وهذا الأمر سيكون له تداعيات إيجابية على الخزينة. وفي المحصلة، سترتفع حكمًا سندات الخزينة اللبنانية بما يخفف ثقل خدمة الدين العام، وفق ما يؤكد عجاقة.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة