وقائع اقتصادية وجهل سياسي
بقلم: مارون مسلّم
خسرت الليرة التركية منذ بداية العام الجاري نحو ٥٠ في المئة من قيمتها. انخفاض هائل ومثير للقلق، ليس لتركيا فقط، ولكن أيضاً لكل المستثمرين خاصة في القطاع المصرفي والقطاع العام عموماً الذي تشكّل ديونه ٣٠ في المئة من اجمالي الناتج القومي.
أصبح سعر الليرة التركية حديث المجالس الفعلية والافتراضية، متصدراً النشرات الاخبارية، هو الوميض الذي لفت انتباه المتابعين للخطر المحيط بالاقتصاد التركي، لكن الحقيقة ان الوميض تسبقه مراحل من التراجع في المعايير الاقتصادية لاستقرار السوق، أهمها ارتفاع العجز التجاري وزيادة نسبة التضخم والنظرة السلبية لوكالات التصنيف الائتماني للبلاد والمصارف.
احتلت تركيا المرتبة الأولى اقليمياً من ناحية الناتج المحلي الإجمالي أمام المملكة العربية السعودية وايران، والمرتبة السابعة أوروبياً والمرتبة ١٣ عالمياً. بلغ حجم الاقتصاد التركي ٩٠٥ مليار دولار أميركي في العام ٢٠١٧ مع معدل نمو بحدود ٧٪ في الفترة ما بين ٢٠١٠ و٢٠١٦ لينخفض بعدها الى ٢،٨ في المئة في العام ٢٠١٧ مع نسبة تضخّم بلغت ١١،٩ في المئة.
اتبعت تركيا استراتيجية اقتصادية، منذ ثمانينات القرن الماضي، تعتمد ضمان نسب نمو مقبولة تنهض بالمجتمع التركي. وفي العام ٢٠٠١ وضعت خطة اصلاحية تضمنت اربع نقاط: استقلالية المصرف المركزي، زيادة رأسمال عدد من البنوك العامة والخاصة، اقفال المصارف المصنفّة في وضع الافلاس وهيكلة عدد من المؤسسات العامة والخاصة.
اسسّت هذه الاصلاحات الأرضية الصحية لاقتصاد قوي ومالية عامة جيدة، تمكنت من جذب استثمارت أجنبية بلغت في وقت من الأوقات حدود الـ ٢٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
كل هذه العوامل الايجابية سدّد لها الرئيس رجب طيب اردوغان ضربات متلاحقة عبر اتخاذه خطوات سياسية أدّت الى تمركز السلطات بين يديه وضرب المعارضين و”حشو” مؤسسات الدولة بالأزلام والمحاسبين وتفشي الفساد… وخطوات اقتصادية ارسلت رسائل سلبية الى المستثمرين ورجال المال والأعمال والأسواق كافة.
منذ نحو عام تقريباً، بدأنا نسمع تحذيرات حول الوضع الاقتصادي في تركيا نتيجة لأسباب اقتصادية وسياسية متشابكة ومتداخلة. البنك المركزي التركي كان متوجساً من الرئيس اردوغان الذي صرّح غير مرة بأنه سيتولى السياسة النقدية في البلاد، وسيتحكم فيها حالما يتم انتخابه وفق النظام الرئاسي الذي يحكم قبضته على كل أركان الدولة. حالة مشابهة تقريباً للنظام الشيوعي الذي يتحكم في مفاصل الاقتصاد حتى انهيار الدول: انه التدخل السياسي في النظام الاقتصادي.
مع تهديد اردوغان للنظام الاقتصادي بالسيطرة والتحكم في اختيار محافظ البنك المركزي ومدة توليه، تمّ تعيين صهره وزيراً للمالية، بات الوضع مقلقاً للأتراك والمستثمرين، وفي حين قرأ البعض موقف الرئيس التركي واصراره على عدم رفع سعر الفائدة لتلافي مزيد من التضخم، على انه حرص من الحزب الإسلامي الذي يترأسه على عدم رفع نسبة الربا! رأى البعض الآخر ان اردوغان كان يرى ان سعر الفائدة هو المسبّب للتضخم.
وحين بدأ سعر الليرة بالتراجع وافق على رفع الفائدة ٣٧٥ نقطة أساس. لكنه تأخر كثيراً بحيث لم يترك هذا الاجراء أثراً يذكر على مسار الليرة الهابط.
وما يزيد من سوء الوضع ان اردوغان وفريقه لم يتحلوا بالجرأة الكافية لتحمّل مسؤولية الانهيار، مثلما آثروا ان ينسبوا الفضل لهم في الحالة الاقتصادية الجيدة سابقاً، فردوا الأسباب الى مؤامرات خارجية وعقوبات اميركية وتواطؤ داخلي… حتى ان اردوغان اطلق تهديدات مباشرة للتجار ورجال الأعمال بأن مسؤولية صمود الشعب ليست على عاتقه وحده، بل عليهم المساهمة فيها والاّ… سيضطر لتنفيذ “الخطة ب” و”الخطة ج”. اما ماهية هذه الخطط البديلة المبطنة في التهديد، فبعضهم يرجّح ان تضع الحكومة يدها على ودائع الأتراك في البنوك!… عندها يكون الانهيار الكبير.
الأزمة في تركيا كبيرة. جذورها في بنية الاقتصاد نفسه وفي كيفية معالجتها بالسياسة وعدم مواجهة الواقع. وآثارها ستطال أسواق المنطقة والعالم نظراً للتشابك الحاد والتداخل في المصالح والأسواق.

