الاهتزازات الجيوسياسية والاقتصادية التي يمر بها العالم عموماً سكبت آثارها على مختلف القطاعات بما فيها قطاع المصارف. إلاّ انّ القطاع المصرفـي القطري بقي بشهادة الخبراء ووكالات التصنيف وبنظر الدكتور عبد الباسط أحمد الشيبي، الرئيس التنفيذي لبنك قطر الدولي الإسلامي، الأفضل إقليمياً ودولياً. يواجه القطاع عموماً مشاكل متعددة مثل التضخم وارتفاع نسبة الفوائد وغيرها، الاّ أنّ وطأة التأثيرات تتباين بين دولةٍ وأخرى، فالبلدان العربية مثلاً حيث الموارد الوفيرة، تتمكن من مواجهة التحديات بيسرٍ وكفاءةٍ أكبر. ويرى الدكتور الشيبي، أن ظاهرة العملات المشفرة تبدو شديدة التعقيد وتدعو لدراساتٍ معمّقة. أما عن بنك قطر الدولي الإسلامي، فالعام المنصرم حمل في طياته انجازاتٍ مهمة ونموٍ بارز حيث تم تنفيذ خطة واسعة النطاق في مجال التحول الرقمي، بالاضافة الى التوسع في خدمات الشركات وافتتاح فرعين جديدين، وتأسيس الشركة التكافلية للتأمين خارجاً في المملكة المغربية بالشراكة مع عدة مؤسسات.
* كيف تقيّمون واقع القطاع المصرفـي القطري خلال العام ۲۰۲۲؟ وما هي ابرز التحديات التي واجهته؟
القطاع المصرفـي القطري بشهادة الخبراء والمختصين ووكالات التصنيف الائتمانية وتقييماتها هو من الأفضل إقليمياً ودولياً، والأرقام التي يحققها هذا القطاع والتصنيفات التي يحظى بها تضعه في مرتبة متقدمة فيما يخص مختلف المؤشرات، وهناك عوامل كثيرة تساعد البنوك القطرية على هذا التميز، منها البيئة الملائمة التي تعمل بها والقوة المشهودة للاقتصاد القطري والتخطيط السليم والجهود الكبيرة للهيئات الإشرافية، كلها عوامل أسهمت في مزيد من قوة الأداء للقطاع المصرفـي والقدرة على مواجهة مختلف أنواع التحديات وتحقيق أرقام نمو متميزة خلال العام ٢٠٢٢.
أما التحديات التي واجهتنا خلال العام الماضي فهي التحديات المتعلقة بمواصلة تطوير البنية التكنولوجية ومواجهة مخاطر الأمن السيبراني و تعزيز الكفاءة التشغيلية، وقد حققنا نجاحاً لافتاً في معالجة مختلف هذه التحديات.
* تتراجع معدلات النمو في مختلف دول العالم بفعل عوامل عدة. ما هي تأثيرات ذلك على قطاع المصارف؟
تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي هو تحدٍ يواجه مختلف دول العالم، ولا شك بأن الانتعاش الاقتصادي بعد أزمة وباء كورونا يواجه صعوبات جديدة مع الأزمات الجيوسياسية والاستقطاب الدولي وارتفاع التضخم، مما ينعكس على القطاع المصرفـي، حيث أنّ مواجهة التضخم تقليدياً تتم عبر رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة وهو ما يعني زيادة تكلفة التمويل بما يؤدي إلى مزيد من التحديات الاقتصادية لقطاعاتٍ كثيرة.
ولكن يجب أن لا نعمم فيما يتعلق بتأثير هذه التحديات على جميع البنوك في مختلف دول العالم، وذلك بحكم اختلاف الظروف التي تعمل بها هذه البنوك وقوة الاقتصادات المتباينة من دولةٍ الى أخرى، وعلى سبيل المثال فإن البلدان العربية التي تتمتع باقتصاداتٍ قوية، كدول الخليج، تستطيع البنوك فيها مواجهة التحديات بطريقةٍ أكثر كفاءة ويسراً من غيرها بحكم الموارد الكافية وإمكانية الدعم الحكومي عند اللزوم وأيضاً الحداثة والمرونة التي تتمتع بها البنوك في هذه الدول.
وعموماً فإن القطاع المصرفـي وغيره من القطاعات الاقتصادية في العالم، يتقبّل فكرة أن مواجهة التحديات هي جزءاً من العمل بالنظر إلى ظروف العولمة والترابط الاقتصادي بين مختلف الاقتصادات العالمية، وربما نحتاج فقط للمزيد من الوقت للخروج من الواقع الحالي.
* تسجّل معدلات الفوائد ارتفاعات متتالية بعد استقرار وثبات لأعوامٍ عدة.
– ما تأثيرات ذلك على المصارف واعمالها؟
السياسات النقدية تضعها البنوك المركزية في ضوء رؤيتها الشاملة للقطاع المصرفـي، وكل بلد له خصوصية في هذا المجال، رغم أن هناك ترابطاً بحكم أن النظام المالي العالمي مرتبط بآليات تجعل من التأثر بسياسات رفع أسعار الفائدة أمراً حتمياً.
إن ارتفاع تكلفة التمويلات هو سيف ذو حدين، فمن ناحية قد يسحب السيولة من السوق ويبطىء التضخم، ولكن بالمقابل قد يؤدي إلى تراجع الطلب على التمويل مقابل زيادة الإيداعات في البنوك مع تقليل الاستثمارات الجديدة في قطاعات إنتاجية عديدة. الأمر الذي يعني إمكانية انخفاض النمو الاقتصادي، وتراجع الإنفاق فضلاً عن تأثيرات أخرى تبعاً للظروف الاقتصادية في كل بلد.
لا بد من التنويه الى أننا في دولة قطر ودول الخليج عموماً سنكون من أقل الدول تأثراً بارتفاع أسعار الفائدة بالنظر إلى قوة اقتصادات دولنا وتوفر خيارات عديدة لدعم القطاع المصرفـي في حال الحاجة.
* تبدو المصارف مدعوّة لمزيد من الاسهامات في العمل الاجتماعي والتطوعي على المستويات كافة، كيف تنظرون لهذا الأمر،و ما مدى مساهمة مصرفكم في مثل هذه الأعمال؟
في الحقيقة ليست المصارف فقط مدعوة للمساهمة في خدمة المجتمعات التي تعمل فيها بل جميع الهيئات والمؤسسات، لأن التلازم بين النشاطات التجارية والربحية وبين نشاطات اللاربحية التي تتضمن خدمة المجتمع، هو أمر حيوي يسهم بشكلٍ فعّال ومؤثر في تحقيق تنمية أفقية تنعكس على أوسع الفئات في المجتمع.
إن عمليات الدعم التي نقوم بها في دول الإسلامي هي جزء من استراتيجيتنا بعيدة المدى لخدمة المجتمع القطري وهي تشمل على سبيل المثال لا الحصر طيفاً واسعاً من الأنشطة بما في ذلك دعم التعليم والابتكار والرياضة والثقافة والتبرع للأنشطة الخيرية.
* تزداد ظاهرة المصارف الرقمية وتتوسع دائرة اعمالها، ما تعليقكم على ذلك؟ وهل تعتقدون بقدراتها التنافسية مع المصارف التقليدية؟
لاشك بأن الخدمات المصرفية الرقمية فرضت نفسها عالمياً، وباتت واقعاً لايمكن القفز فوقه، والبنوك التي لا تتأقلم مع هذا الواقع سوف تعاني كثيراً وستجد نفسها مطالبة من عملائها ومن الجهات الإشرافية أيضاً بأن تواكب الجيل الجديد من الخدمات المصرفية والمتمثل بالخدمات الرقمية.
لقد قطعت البنوك في معظم دول العالم شوطاً هاماً في نشر ثقافة استخدام الخدمات المصرفية الرقمية وحالياً هناك عدد متزايد من البنوك التي باتت تعتمد هذه الخدمات كقنوات أساسية لأعمالها.
نحن في الدولي الإسلامي نفذنا خطة واسعة النطاق خلال الفترة الماضية في مجال التحول الرقمي وقد نجحنا في إتاحة معظم خدماتنا للأفراد والشركات عبر القنوات الرقمية وهو أمر أدى بشكلٍ واضح إلى تعزيز الاداء التشغيلي في البنك و زاد رضا العملاء وتوسعة قاعدتهم.
أما فيما يتعلق بإن كانت البنوك الرقمية تستطيع منافسة المصارف التقليدية، فاعتقد أن هذا السؤال غير مطروح بهذه الصيغة، إذ ليس هناك شيء اسمه بنك رقمي بشكلٍ كامل وبنك تقليدي بشكلٍ كامل، فالقضية هنا لاتتعلق بنوع المعاملات المصرفية إنما بطريقة تقديمها، وبالنهاية البنك هو بنك سواء قدّم خدماته بطريقةٍ رقمية أو بطريقةٍ تقليدية، واعتقد أن الخدمات المصرفية الرقمية هي المستقبل المنطقي للخدمات المصرفية التقليدية على اختلاف أنواعها.
* ما رأيكم بظاهرة العملات المشفّرة؟
اعتقد أن العملات المشفرة هي ظاهرة معقدة وتحتاج إلى دراسة عميقة وإلى تنظيم ومعايير واضحة والأهم إلى شفافية وإشراف من الجهات التنظيمية المعنية، ومن خلال الأراء التي طرحها مختلف الخبراء والمستثمرون فإن السمة الغالبة على الأراء هي السلبية، حيث أن العملات المشفرة هي خلق طلب بدون أصول، وهذا أمر يمثل مخاطرة فادحة غير مستقيمة مع أية إدارة مخاطر منضبطة، كما أن هناك مخاوف حقيقية من استخدام العملات المشفرة في المعاملات غير القانونية أو عمليات غسل الأموال، وعليه فإن التقلبات والانهيارات التي نجدها في عالم العملات المشفرة هو انعكاس للفوضى والغموض الذي تتميز به، وبالتالي فإن مستقبلها لا يمكن الوثوق به ما لم يكن هناك ضوابط ومعايير معترف بها على نطاق محلي وأيضاً عالمي.
* ماذا عن اعمال مصرفكم ونتائجه وأرقامه وأهم انجازاته للعام ۲۰۲۲؟
كانت نتائج الدولي الإسلامي خلال العام ٢٠٢٢ متميزة، فقد حققنا بنهاية الربع الثالث للعام ٢٠٢٢ صافـي ربح بلغ ٩٠٢ مليون ريال بنسبة نمو ٧،٤٪.
وبلغ إجمالي إيرادات البنك ١،٩ مليار ريال، فيما وصل إجمالي الأصول إلى ٥٧،٧ مليار ريال قطري، كما أن كفاءة التشغيل في الدولي الإسلامي بلغت ١٨.٨٪ وهو ما يعتبر من أفضل النسب محلياً ودولياً، ووصلت كفاية رأس المال بازل III إلى ١٧،٠٦٪ وهو ما يفوق الحد التنظيمي.
أما النقطة الأهم بالنسبة لنا في العام ٢٠٢٢، فكانت إنجاز نسبة كبيرة من خطة التحول الرقمي التي شملت إضافة الكثير من الخدمات إلى قائمة قنواتنا الرقمية سواءً بالنسبة للأفراد أم للشركات ونأمل أن ننجز التحول الرقمي بشكلٍ شامل خلال فترة ليست بالبعيدة.
كما توسعنا خلال العام الماضي في خدمات الشركات وافتتحنا فرعين جديدين للشركات وهو ما يعكس التزامنا الراسخ بتقديم افضل وأشمل الخدمات لعملائنا من الشركات، والاستجابة للتوسع المضطرد في قاعدة عملائنا من هذه الفئة.
وعلى صعيد التوسع الخارجي فقد قمنا بتأسيس الشركة التكافلية للتأمين في المملكة المغربية بالشراكة مع كل من شركة أطلانطا للتأمين وبنك القرض السياحي والعقاري المغربي والشركة الإسلامية القطرية للتأمين.

