من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، عبّرت شعوب كثيرة عن إستيائها من فساد السلطات أو إستبدادها، فاشتعلت الشوارع بالاحتجاجات طوال إثني عشر شهرًا. وفيما صمدت تظاهرات وتزخّمت أخرى، بات واضحًا أن الشوارع والساحات أصبحت ممرًا إجباريًا للتغيير.
السياسة شكلت عاملاً مهمًا في الجزائر حيث نزل الجزائريون إلى الشوارع للإعتراض على ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، بما دفعه للإستقالة وإنتخاب رئيس جديد للبلاد. في روسيا، تظاهرت المعارضة الصيف الماضي ضد منع المستقلين من الترشح للإنتخابات المحلية، وخسر حزب بوتين نحو ٢٠ مقعدًا في برلمان موسكو. وفي كاتالونيا تسببت مجموعة أحكام بسجن تسعة سياسيين من دعاة الإنفصال بتحريك الشارع سريعًا. أما في هونغ كونغ فكان مشروع قانون يقضي بتسليم مطلوبين للعدالة إلى الصين كافيًا لإطلاق موجة احتجاجات توسعت ولم تنكفئ بعد. وفي بورتوريكو تفجرت التظاهرات بعد تسرّب دردشة إلكترونية للحاكم ريكاردو روسيلو شملت نكاتًا سوقيّة مع المقربين منه عن شرائح إجتماعية مختلفة في ظل إنتشار الفقر في البلاد، وإستقال روسيلو تحت ضغط الشارع.
التفاوت الطبقي لعب دورًا أساسيًا في تفجّر الحركات الإحتجاجية: «السترات الصفر» في فرنسا إنطلقت ردًا على رفع الحكومة أسعار الوقود في شهر تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٨ وإستمرت طوال العام الماضي، قبل أن يتحرك عمال وسائل النقل إحتجاجًا على مشروع قانون لإستبدال أنظمة التقاعد بـ«نظام شامل» جديد، والتظاهرات في السودان بدأت ردًا على رفع السلطات السودانية سعر الخبز ثلاثة أضعاف في موازاة أزمة سيولة وأُطيح الرئيس عمر حسن البشير من منصبه، وكذلك شهدت تشيلي نزولاً إلى الشوارع بعد رفع أسعار تذاكر المترو في ١٤ تشرين الأول/أكتوبر، وتراجعت السلطة لاحقًا عن قرارها وتوصلت المعارضة والحكومة إلى إتفاق على إجراء إستفتاء على دستور جديد منتصف العام الحالي.
محاربة الفساد شكلت رافعة الشعوب للتظاهر ضد الحكومات. في لبنان، كانت الإنتفاضة الشعبية المطلبية التي إنطلقت في ١٧ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إحدى المحطات البارزة في التاريخ الحديث لهذا البلد، فهي تمدّدت من رافضي الضريبة على مكالمات الواتساب، الى كل القطاعات المهنية والمستويات الاجتماعية وتخطت حدود الطوائف والمذاهب، لتخرج من الإطار المطلبي إلى مستوى المطالبة بالتغيير البنيوي ورفض الطبقة السياسية بمجملها تحت شعار «كلّن يعني كلّن». وقد فرضت الإنتفاضة تغييرًا كبيرًا بدأ بإستقالة الحكومة بعد إقرار خطة اقتصادية إصلاحية عاجلة لم تكن ممكنة لولا إنطلاق الحراك الشعبي، في العراق تستمر التظاهرات والمسيرات الشعبية في شوارع بغداد والنجف وكربلاء يوميًا، على رغم آلاف القتلى والجرحى الذين سقطوا، مطالبة بتغيير السلطة والأداء، وهي نجحت حتى الآن في إسقاط رئيس الحكومة عادل عبد المهدي وإجراء تغييرات إدارية واقتصادية، وفي إيران إضطر الرئيس حسن روحاني لإتخاذ خطوات عدة بهدف تحسين الوضع الاقتصادي بعد وصول عدد القتلى من المتظاهرين إلى ١٥٠٠ شخص، ومن المتوقع تسجيل إنكماش في الاقتصاد يصل إلى حدود ٩،٥ في المئة العام ٢٠١٩ بحسب تقارير صندوق النقد الدولي.
للتحولات الديمغرافية دورها في رفد التظاهرات بالزخم، حيث يقود جيل الألفية تظاهرات اليوم متسلحًا بوسائل التواصل الاجتماعي بفعالية تفوق دوي المدافع وأزيز الرصاص.
متعددة هي الدلائل التي تشير إلى إستمرار التظاهرات والتحركات الشعبية العام الجاري، طالما لم تستخلص الحكومات العِبر والنتائج. فالتغيير سمة التطور، والتظاهرات إحدى أفضل طُرقه حاليًا.

