وضعت حكومة حسان دياب قطار الخطة الاقتصادية والمالية، برعاية رئاسية، على السكة، واعتبرتها إنجازًا تاريخيًا «بعدما كاد عدم التخطيط وعدم إستشراف المستقبل يوديان بالبلد إلى الخراب».
الثابت أن الخطة لها ثلاثة أهداف أسياسية:
تحسين صورة الموازنة العامة عن طريق تخفيض الدين عبر إتخاذ «إجراءات تعسفية» تؤدي إلى إزالة الأرقام الوهمية في ميزانية مصرف لبنان والمصارف، من شأنها القضاء على صدقية وسمعة هذا القطاع، الذي لعب دورًا أساسيًا في تنشيط الاقتصاد المحلي، وعدم قدرته على النهوض لعشرات السنين، ناهيك عن إستعداد أصحاب المصارف لرفع دعوى قضائية في حق الدولة اللبنانية للحصول على مستحقاتهم من الدين العام، وعدم رغبتهم في التخلّي عن ملكية مصارفهم وإستعدادهم لتقديم خطة بديلة.
تتضمن الخطة تعهدات بإجراءات على صعيد المالية العامة، كانت حتى الأمس القريب من الممنوعات، بل من المحرّمات، إذ أنها تعكس نيّة الدولة زيادة الضرائب على الإستهلاك وخفض رواتب ومخصصات القطاع العام. وهي حصلت على دعم وتأييد الثنائي الشيعي، الذي كان أكثر المعارضين لمثل هذا التوجه، بما يزيل من أمامها عقبة أساسية ومهمة.
لم تقدم الحكومة مشروعًا ينشط الاقتصاد ويحسّن مستوى المعيشة ويوقف الإنهيار الحاصل، إنما ركزّت في خطتها على الخفض القسري للدين العام عن طريق شطب الديون بالقوة، بهدف تقليص خدمة الدين التي تلتهم نصف الإيرادات وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
إستعادة الثقة، هي الهدف الثاني للخطة. لكن العلاجات التي تقترحها الحكومة لحل مشاكلها تقضي بصورة نهائية على الثقة بلبنان وبقوانينه وبإحترامه للقيم الاقتصادية، وأولها حق الملكية. إنها ببساطة تحمّل المودعين وأصحاب المصارف والمؤسسات المالية المحلية والإقليمية والعالمية مسؤولية أخطائها وإرتكاباتها وفظائعها على إمتداد الأعوام الماضية، عبر التشبيح بالقوة والسلبطة على أموالهم وودائعهم وحقوقهم المقدسة في الأعراف والقوانين والدستور، بدل تحمّل مسؤولياتها والإقرار بأخطائها والسعي لإستعادة الأموال المنهوبة وإعتماد مبدأ الخصخصة وبيع ممتلكاتها لسداد ديونها، تمامًا كما يفعل أي مفلس في مواجهة الحقائق.
العلاج يكون بتعزيز الثقة بنظام لبنان المالي والمصرفـي وضمان أموال المودعين مهما بلغت أرقامها. والعمل على وقف التهريب عبر المرافئ الشرعية وغير الشرعية ومعالجة «أم القضايا» الكهرباء وترشيق القطاع العام وخصخصة مرافق الدولة الفاشلة كلها…
بلوغ أعتاب صندوق النقد الدولي هو الهدف الثالث والأساسي للخطة الحكومية، التي تعتبر أن الخطة الاقتصادية سيتم أخذها كأساس للمفاوضات مع صندوق النقد للحصول على تمويل يحتاج إليه لبنان في أسرع وقت. ولكن مع أخذ مساهمة لبنان في صندوق النقد وقدراته على تلبية حاجاته التمويلية خلال السنوات الخمس المقبلة، في الإعتبار، تؤكد الحكومة أن فتح باب التفاوض مع الصندوق للحصول على التمويل، يعبّد الطريق أمامها لمفاوضة مؤسسات وصناديق دولية أخرى لتعزيز التمويل الخارجي الميسّر. فدخول صندوق النقد على خط تقديم المساعدة المالية للبنان بشروط يتم الإتفاق عليها بعد مشاورات مع الحكومة اللبنانية، يساهم بإستعادة لبنان جزءًا من الثقة الدولية التي فقدها خلال الأعوام الماضية نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة في الإلتزام بأي من الإصلاحات التي تعهدتها منذ مؤتمرات باريس وحتى «سيدر».
طلب الحكومة المساعدة من صندوق النقد يعتبر بمثابة الإعتراف بحجم الأزمة المالية وصعوبة الخروج منها دون إلتزام الإصلاحات، وهو ما أشار إليه مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شنكر الذي أكد أن أي أموال ستقدم من الصندوق ليست مساعدات مجانية، بل هي مشروطة بخطوة إصلاحية تساعد على إيجاد عوائد للدولة وتتيح للصندوق ممارسة الرقابة على اقتصاد الدولة.
خطة الحكومة الاقتصادية والمالية على محك الصدقية، فمن دون معالجة الثغرات لن يتمكن لبنان من تحقيق أهدافه ووقف التدهور القاتل.

