- حزيران/يونيو 331 – المراقب المالي

الاقتصاد بين الهبوط الآمن والسريع

لا يزال هناك مجالٌ لتحقيق سيناريو الهبوط الآمن في المالية العامة في لبنان، بدل التدابير ذات التداعيات السلبية الطويلة الأمد، مثل تخفيض سعر صرف الليرة أو إعادة هيكلة الدين العام، وصولاً إلى الانهيار الشامل وتدخل البنك الدولي ومؤسسات دولية مانحة بشروطها وقوانينها وأنظمتها وتدابيرها الصارمة، على غرار ما شهدناه في اليونان، إذ لا يزال هناك مجال لخفض العجز المالي وكبح نمو نسب المديونية من خلال عدد من التدابير المرجوة على صعيد الإيرادات والنفقات العامة التي تتمحور بشكل أساسي حول زيادة تعبئة الموارد وتحسين جباية الضرائب وإغلاق المعابر غير الشرعية ووقف عمليات التهريب والتهرب الضريبي وإلغاء البؤر والمناطق المحرّمة على الدولة وتقشف في الإنفاق وإصلاح قطاع الكهرباء، إضافة إلى إدارة رشيدة لموارد النفط والغاز.

الهبوط الآمن في المالية العامة سعت إليه الطبقة السياسية الحاكمة، من خلال موازنة العام ٢٠١٩ التي اقرّها مجلس الوزراء بعد ٢٠ جلسة متواصلة، حيث تمكّنت من إحداث خفض في العجز المالي بنسبة ١٪ من الناتج مقارنة بقانون موازنة العام ٢٠١٨، وبالتالي تكون الحكومة قد وَفَتْ بأولى التزاماتها لمؤتمر سيدر، الذي أوصى بخفض نسبته ٥٪ من العجز إلى الناتج الإجمالي في غضون خمس سنوات، وهنا يجدر بالحكومة متابعة الجهد الإصلاحي المتواضع الذي شهدته موازنة ٢٠١٩ بجهود إضافية في موازنة العام ٢٠٢٠ من أجل إرسال الإشارات الإيجابية المنشودة لقاعدة المستثمرين والمودعين.

موازنة ٢٠١٩ تجتاز حاليًا «حقل ألغام» مجلس النواب، حيث تسيطر الشعبوية والغوغائية على عقول وحسابات عدد كبير من النواب، لاسيما وإن معظمهم جاهل وغير ملمّ بكيفية إدارة شؤون الدولة وماليتها ولا يجيد سوى عدّ الأصوات في صناديق الاقتراع. هذا المجلس الذي أقر سلسلة رتب ورواتب من دون دراسة ارقامها وتأثيراتها ومفاعيلها، سيُقدم بالتأكيد على إتخاذ قرارات أكثر غوغائية وشعبوية تودي بالاقتصاد إلى مزيد من التراجع والإنكماش. نفتقد في المجلس النيابي الحالي رجالات دولة وعلم يتخذون قرارات تصبّ في مصلحة الوطن العليا بدل الدخول في زواريب الانتخابات والأصوات والسياسات الضيقة.

حريّ، بمن يدعي في المجلس النيابي، الدفاع عن الطبقات الفقيرة والمحتاجين، أن يعمد إلى وقف خطوط التهريب في المرفأ والمطار وعبر الحدود وأن يُسقط الحمايات عن المرتكبين والخارجين عن القانون، وأن يساهم في بناء الدولة القوية والقادرة… لأن في ذلك منفعة أكبر للاقتصاد والعباد كافة.

وحريّ أيضًا، بمن يدعو المواطنين إلى التقشف ويجري خفوضات على التقديمات ويرفع الضرائب في اقتصاد منهك، أن يُقدم على الإصلاحات الحقيقية والضرورية في المرافق العامة والإتصالات وأوجيرو والضمان ومرفأ بيروت… لوقف الفساد وزيادة الواردات وإرسال رسائل إيجابية قوية في إتجاه المستثمرين في الداخل والخارج.

التركيز على الإصلاحات الهيكلية والحوافز الضريبية مع تقشف يشمل الجميع من أعلى الهرم إلى أسفله ولا يستثني أحدًا، من شأنه تحسين الموازنة والحساب الجاري والمالي وتنظيم العملية الاقتصادية برُمتها. حينها تتراجع مؤسسات التصنيف الدولية عن «قراءتها المتحفظة للخطوات المتخذة» و«ثقتها الهشة» بالأجهزة الرسمية والأرقام المتداولة، وحينها فقط ينفتح الباب على مصراعيه أمام مشاريع سيدر والبلايين الـ١١ التي طال انتظارها.

في شهر آذار/مارس من العام ٢٠٠٦، قال السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان خلال مأدبة غداء اقامتها على شرفه غرفة التجارة الأميركية  اللبنانية جاء فيها: «إن لا خيار أمام لبنان سوى الإصلاح كي يصير بلدًا مستقرًا سيدًا وديمقراطيًا ويمتلك القدرة على ايفاء ديونه، ويتمتع باقتصاد سليم، وأن يتخطى لبنان الجدل والكلام الفارغ ويُجري تغييرات في الطريقة التي يدير بها اقتصاده. فترك لبنان يستمر في مساره الحالي يجعل تكاليفه أكبر بكثير على الجميع، ومفهوم سيادته وإستقلاله مجرد حبر على ورق».

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة