بقلم: مارون مسلّم
أرخت التوترات التجارية بظلالها على المشهد العالمي، ولكن بوتيرة أهدأ من ما كانت تخشاه الأسواق، بالرغم من تنامي التداعيات السياسية بين الولايات المتحدة وحلفائها، وتعمّق الهوة بين الولايات المتحدة والصين.
واجهت الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة العديد من المخاطر، بدءاً من الأحداث السياسية التي شهدتها إيطاليا وإسبانيا وصولاً الى التوترات التجارية العالمية وانعدام اليقين الجيوسياسي، الذي تجلّى بشكل واسع في اجتماع وزراء المالية وحكام المصارف المركزية لمجموعة السبع، ناهيك عن تقلب البيانات الاقتصادية والمخاطر التي تتعرض لها العملات الوطنية في تركيا والأرجنتين، من دون أن ننسى قرار لجنة السياسات النقدية لمجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي برفع معدل الفائدة الرئيسية 25 نقطة أساس (ربع نقطة مئوية) لتتراوح بين 1.75 ـ 2 في المئة مع توقعات باستمرار رفعها في النصف الثاني من العام الحالي والعام المقبل. وبالرغم من هذه المخاطر، فإن الأسواق العالمية قد سجلت ارتفاعاً في أعمالها، مما يعني أنها ما زالت مستعدة للإقبال على المخاطر والمراهنة على استمرار قوة البيانات الاقتصادية.
وكانت التطورات التي شهدتها أوروبا مركز اهتمام الأسواق بداية الشهر الحالي، غير أن إعلان تشكيل الحكومة الإيطالية الجديدة أسهم في تهدئة بعض مخاوف المستثمرين. ومع انحسار الخطر المباشر لعملية إنتخابية أخرى، يبدو أن الحكومة الإئتلافية لحركة الخمس نجوم ورابطة الشمال ستصطدم مع الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي، إذا ما عمد الحزبان الى تطبيق وعودهما الإنتخابية بما في ذلك خفض سن التقاعد وتخصيص راتب للمواطن وخفض الضرائب. وليس من الحكمة بطبيعة الحال أن تقلل الأسواق سريعاً من شأن هذه التطورات السياسية. وقد أشار البنك المركزي الأوروبي بالفعل الى أنه يعتزم رسمياً مناقشة إنهاء برنامج التيسير الكمّي قريباً، وقد يعجّل هذا الأمر من لحظة تصادم الحكومة الإيطالية مع البنك المركزي الأوروبي.
تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفتح جبهة جديدة في استراتيجيته التجارية الواسعة عبر تهديده بفرض رسوم مشددة على الواردات من السيارات وقِطعها بذريعة الأمن القومي، مترافقة مع البيانات والتعليقات الصادرة عقب قمة مجموعة السبع في كندا، زادت من ضبابية المشهد العالمي، ولكن بوتيرة أهدأ من ما كانت تخشاه الأسواق بالرغم من تأثيراتها على العملية السياسية بين الولايات المتحدة وحلفائها وتصعيد التوتر بين القوة الاقتصادية الأقوى في العالم ومنافستها الصين. ومرة أخرى قد تكون الاسواق متفائلة حيال هذه القضايا، لا سيما وأن أية تدابير انتقامية تقوم بها أوروبا أو الصين قد تعجّل باندلاع حرب تجارية مؤذية، ومع أن غالبية التقديرات حول تأثير مثل هذه الحرب التجارية على نمو الناتج المحلي الإجمالي تشير الى تداعيات محدودة نسبياً، إلا أن البنك الدولي يقول أنها قد تعود بالاقتصاد العالمي مجدداً الى أجواء الأزمة المالية لعام 2008. وبحسب السيناريو الذي أورده في تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية الأخير، أشار البنك الدولي الى أن زيادة الرسوم الجمركية على الواردات على نطاق عالمي واسع من شأنه أن يفضي الى تراجع النشاط التجاري العالمي بنسبة تصل الى 9%.
ومن التداعيات السيئة للحروب التجارية أنها تلحق الضرر الأكبر بالبلدان التي تشنّها أولاً وهذا يشمل الولايات المتحدة التي سيكون قطاعها الزراعي أكبر المتضررين من أي تدابير انتقامية تقوم بها الصين، ولن تسلم من هذه التداعيات أيضاً شركة كبرى مثل “أبل” التي تشكل المبيعات الصينية جزءاً كبيراً من عائداتها، من دون أن ننسى أن الولايات المتحدة منكشفة مالياً على الصين التي تعد أكبر مالك أجنبي لسندات الخزينة الأميركية.
الرد الأوروبي على حروب ترامب التجارية جاء من ألمانيا حيث أعلنت المستشارة أنجيلا ميركل عن خطط لتنشيط اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد وقت قليل من إعلان وزير ماليتها ـ عقب فشل إجتماعات مجموعة السبع ـ أن الخلاف بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول التعريفات الجمركية على الصلب والألمنيوم سيعزز الإرادة السياسية للدول الأعضاء للتسريع بإصلاحات في الاتحاد الأوروبي.
في مقابلة مع صحيفة ألمانية جاء بمثابة تكرار لخطاب ألقته في العاصمة برلين، قالت ميركل أنها وضعت خطتها الخاصة بتوحيد القارة المتصدعة، ذلك التصدع الذي كان من أهم أسبابه سياسات برلين وسلبياتها. ومدت المستشارة يدها ليس لفرنسا فقط، بل للدول الأعضاء جنوب القارة التي تعاني مشاكل اقتصادية والأهم من ذلك أن الخطة تفتح نافذة أمام الدول الأفقر التي تعاني أعباء مديونية ضخمة للاستفادة منها، وتهدف ميركل عبر التركيز على التطوير التقني الشامل الذي لا يدع دولة من دول الاتحاد في وضع متخلّف، الى جذب مختلف أطياف الخريطة السياسية الألمانية للتعاون معها.
بين قرارات الرئيس دونالد ترامب وردود الأفعال عليها في السياسة والتجارة وتفاعلاتها في الأسواق، يبدو الاقتصاد العالمي اليوم متأرجحاً بين سياسة حمائية أميركية وإصلاحات أوروبية.

