الشعب في القعر و«القوادون» في قصورهم!
بلدٌ تعوَّد الفراغ وتبلّد عن هموم البشر. شعب مسحوق ليس له سوى الشارع يخاطبه ويشكو إليه. طبقة سياسية لا تعرف الفارق بين الكرامة مع الحياة والكرامة مع الموت. ولا كرامة مع الفقر والقهر والجوع. ولا كرامة لشعبٍ يَعِدونه بأنه سيقف في الصفوف الطويلة ومعه بطاقة إعاشة تثبّت أنه متسوّل ولبناني منذ أكثر من عشر سنوات ومقيم رغماً عنه.
بعينها الوقحة واللامبالية والمتعالية والمنفصلة عن الواقع، تراقب السلطة، بكل فروعها وأجهزتها وأطيافها، مشاهد الذل والقهر التي يعايشها اللبنانيون على قارعة الطريق توسّلاً لليترات من البنزين، من دون أن يرفّ لها جفنٌ ازاء ما أوصلت إليه البلاد من تصحّر في كل منابع الحياة والطاقة، فامتهنت كرامات الناس وأذلّت شعباً عن بكرة أبيه بعدما نهبت أمواله وقطعت ارزاقه وتركته فريسة الجوع والعوز يصارع من قلة الموت على أبواب المستشفيات والصيدليات والمختبرات والمصارف والسوبرماركت ومحطات الوقود، كما على أبواب القنصليات والسفارات طلباً للهجرة.
وبينما يقضي اللبنانيون أوقاتهم في صفوف الإذلال والقهر في إنتظار الإنفجار الكبير، تضيع السياسات النقدية بين مجلسٍ للشورى! يتخذ قراراً إعدادياً ليلاً ليتراجع عنه صباحاً، ولجنةٍ للمال والموازنة «ماطلت» لأكثر من عام ونصف العام لتضع مشروعاً للكابيتل كونترول، بعدما تم تهريب أكثر من ثمانية مليارات دولار إلى الخارج لسياسيين ومتنفذين وضياع أكثر من تسعة مليارات دولار على دعم إستفاد منه كبار التجار والمهربين وقوى الأمر الواقع، وحاكميةٍ لمصرف لبنان أصدرت تعميماً قضى بإلزام المصارف تسديد ٤٠٠ دولار نقداً شهرياً إلى المودعين ومثلها على سعر المنصة، لمدة عام بهدف إقفال حسابات نحو ٨٠٠ ألف مواطن يودّعون نهائياً القطاع المصرفـي ويقفلون الباب إلى غير رجعة على سياسة الشمول المالي التي تسعى لتطبيقها دول العالم كافة، من دون أن تجيب على اسئلة تتعلق بحسابات مصرفية تصل قيمتها إلى نحو ٩٠ مليار دولار تبقى أسيرة سياسات نقدية فاشلة، ومصرفية ارتاحت إلى الفوائد المرتفعة وتغاضت عن سياسة توزيع المخاطر فأخلّت ببنود الثقة والأمانة وأقفلت الباب نهائياً أمام عودة الإزدهار إلى قطاع كان جوهرة لبنان إلى أمد بعيد.
وفي زمن الإصطفافات في صفوف الإذلال المتنوعة الاتجاهات، تنقضي أكثر من ستة أشهر من مهلة العام التي حددها مجلس النواب لقانون رفع السرية المصرفية تسهيلاً لعملية التدقيق الجنائي في عمل مصرف لبنان والمؤسسات التابعة له، ولم يوضع على السكة بعد، والمفاوضات التي يخوضها وزير المالية غازي وزني، مفوَّضاً من الحكومة، مع شركة ألفاريز أند مارسال لم تنتهِ لرغبة الشركة في فرض شروط إضافية لإستئناف عملها من بينها زيادة بدل الأتعاب، فضلاً عن تقاضي قيمة البند الجزائي من جرّاء ما إعتبرته إخلالاً من الدولة اللبنانية ببنود العقد السابق لعدم تقديم المعلومات التي طلبتها، مما اضطرها للإعتذار عن الإستمرار في مهامها.
تعليقاً على الأحداث والقرارات العشوائية التي تم اتخاذها في لبنان، إعتبر مسؤول مالي دولي، إن أزمة لبنان ستستخدم في مناهج الدراسات العليا في الإقتصاد، كدراسة بحث (Case Study) تحت عنوان «كيف يدمّر الحكّام وصانعو السياسات السيئة والفاسدون الأمم وثروة الوطن» وأضاف «كان لبنان يملك القدرة على أن يكون إقتصاداً ناشئاً نابضاً بالحيوية، خصوصاً في مجالات تكنولوجيا المعلومات، التعليم، المصارف، الطب والسياحة… بدلاً من ذلك، أدار حكّامه الإقتصاد كما لو كان متجراً في «بازار»».
حتى لو حصلت معجزة ما، وتم تشكيل حكومة، سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل الإتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج تعديل، نظراً إلى التشوهات الكبيرة التي حدثت على نطاق واسع في الإقتصاد.
يقول الكاتب النيجيري جيدونو تشودي «لا تعيش الشعبوية طويلاً وتنتهي دوماً بالدموع». لكن عوامل كثيرة تتجمع في حياة الشعوب وتاريخها، فتلتحق لفترة من غياب الوعي، بمن يقودها إلى الدمار والدموع.
علّنا نستعيد الوعي وننتهي من الشعبوية لخلاص لبنان.

