كلما زادت معاناة الأسواق المالية الصينية والاقتصاد الصيني، زاد إغراء الولايات المتحدة لاستخدام التعريفات كوسيلة «لاحتواء» ما كان يبدو يومًا كأنه نهضة اقتصادية حتمية للصين.
قضت أسواق الأسهم الأميركية، في النصف الأول من الشهر الماضي، في محاولة لمعرفة ما ينبغي القيام به بعد زيادة التعريفة الجمركية على الواردات من الصين والتي تم الإعلان عنها منتصف الشهر الماضي. لم تكن هناك سوابق تاريخية حديثة، أو أمثلة قريبة للمستثمرين لمعرفة ما إذا كانت هذه التعريفات ستصبح دائمة، ومدى تأثيرها في النمو العالمي، أو ما إذا كانت الرسوم الجمركية الجديدة سينظر إليها يومًا ما على أنها مؤقتة، في إطار عملية التفاوض للتوصل إلى اتفاقات تجارة أكثر عدلاً وحرية، وبالتالي تضع النظام الاقتصادي العالمي على أرضية صلبة.
والذي ينبغي أن يكون واضحًا هو أن المخاطر بين الصين والولايات المتحدة تتصاعد كل يوم، وأن اتفاق التجارة لا يزال بعيد المنال.
وفي الفترة التي سبقت جلسة التداول الأولى، كانت العقود الآجلة تشير إلى أن الأسواق ستفتح من دون تغيير تقريبًا. وبعد ساعة من التداول، انخفضت الأسهم بنحو ١،٥٪ وفقًا لمؤشر «ستاندرد آند بورز»، ومؤشر«داو جونز»، نتيجة القلق الذي تسببت به إشارة الإدارة إلى أنها ليست في عجلة من أمرها بخصوص إبرام صفقة مع الصين. وبالنسبة إلى الاقتصاد الكلي للولايات المتحدة، ترتبط العديد من شركات مؤشر «إس أند بي ٥٠٠» ارتباطاً وثيقًا مع الصين من ناحية الإيرادات والتكلفة.
وبعد التراجع والخسائر التي تكبدتها الأسهم في النصف الأول من الشهر الماضي، ارتفعت مجددًا. وكان العامل المساعد لهذا التحول هو تعليقات وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوشين، على أن المفاوضات سارت على ما يرام.
وتعكس هذه الدوامة واقعًا غير مريح للمستثمرين والمتداولين. ومع غياب تجربة تاريخية لحرب تجارية كبيرة، ومحدودية المعلومات حول التفاعلات بين الرئيس دونالد ترامب، والرئيس شي جين بينج، لم يكن لدى قوى السوق من بديل سوى التجاوب مع أصغر إشارة حصلت عليها من صانعي السياسة الأميركية والصينية، بغض النظر عن مدى مصداقيتها.
وتثير المناوشات التجارية الأخيرة بين أكبر اقتصادين في العالم، تساؤلات حول توجهات الأسواق المرحلية والدائمة، بما في ذلك الردود الانتقامية التي أسفرت عن ارتفاع التعريفات الجمركية التي فرضها كلا الطرفين إلى مستويات غير مسبوقة. كما أنه ليس من الواضح إلى متى ستستمر هذه المرحلة، فضلاً عما إذا كانت تفسح المجال لتصعيد متبادل يبقى تحت السيطرة، أو تصبح جزءًا دائمًا من حرب تجارية عالمية أكبر.
ويكشف واقع العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة أنه بعد سنوات من الإحباط الذي نتج عن الممارسات التجارية الصينية، وعمليات النقل القسري للتكنولوجيا، وسرقة الملكية الفكرية، قررت إدارة ترامب، أن تلعب لعبة تعاونية بطبيعتها من دون تعاون. وفي حين أن كلا الجانبين يتعرض لأضرار اقتصادية، فإن معاناة الصين أضعاف ما تواجهه الولايات المتحدة على الأقل لكونه يعقد مشاكل وتحديات النمو التي تواجهها الصين في مسعاها للتحول من الاقتصاد القائم على التصدير إلى اقتصاد قائم على الاستهلاك المحلي. ومن هنا، فإن من مصلحة الصين نزع فتيل الحرب وتقديم تنازلات للولايات المتحدة.
وكلما زادت معاناة الأسواق المالية الصينية والاقتصاد الصيني، زاد إغراء الولايات المتحدة لاستخدام التعريفات كوسيلة «لاحتواء» ما كان يبدو يومًا كأنه نهضة اقتصادية حتمية للصين. وقد بدأت الشركات الأميركية بتنويع سلسلة التوريد بعيدًا عن الصين. وكان يمكن أن يكون التأثير أكثر أهمية لو أن الولايات المتحدة قامت بتطوير جبهة موحدة مع أوروبا لمواجهة مظالمها التجارية المشتركة المتعلقة بالصين.
ورغم كل تلك التعقيدات، فإن النتيجة الأكثر ترجيحًا هي استمرار التفاوض على الصفقة للحصول على التنازلات الصينية. لكن الاحتمال يتراجع بمرور الوقت. وكلما طالت المدة اللازمة للتوصل إلى اتفاق، قلّ احتمال أن تشكل هذه الصفقة نهاية حاسمة للتوترات التجارية. ولا شك في أننا نشهد هدنة مؤقتة قد تسفر عن مسارعة الصين لتلبية مطالب الولايات المتحدة، لأن المخاطر التي تهدد عملية التنمية سوف تزداد كلما طال الزمن، وبالتالي سوف تزداد التهديدات التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي، والصعوبات التي تواجه عمل ومهمة البنوك المركزية، والصعوبات التي تواجهها الاقتصادات الناشئة.

