لم تكن أسباب الأزمة بعيدة من ذهن كل من تعاطى العمل المصرفـي أو المالي ولم يغب عن بال أحد من رجال الاقتصاد والمال أن البلاد تسير في طريق وعرة منذ عام ١٩٧٥، ولو أن الحفر في هذه الطريق كان يصار إلى ترقيعها من حين لآخر من دون أن يقتنع أحد أن الطريق الى النهوض والازدهار باتت سالكة ولا في أي فترة من الفترات.
وما يزيد من حدة الأزمة دخول العديد من المنظرين والمحللين وحتى المشترعين، وإن كان معظمهم حسني النيات، غير أن ما ينطقون به ليس صحيحًا بالكامل وما هو صحيح جزئيًا لا يساهم في مواجهة أزمة في هذا الحجم؛ فإما كلام مسؤول عميق صحيح بالكامل أو طرح أسئلة واستشارات وطلب معلومات قبل الدخول في الخلاصات والاستنتاجات والأحكام.
وما حصل في القطاع المصرفـي تعود أسبابه إلى عام ١٩٨٠، ومن مارس العمل المصرفـي منذ ذلك الوقت يدرك ذلك ولن أدخل في الأسباب والنتائج اذ سبق وكتبت عنها في مقالات سابقة عديدة، غير أن ما يهمني اليوم أن ألخص أسباب ومظاهر الأزمة التي انفجرت في تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام.
منذ عام ٢٠٠٦ ولغاية ٢٠١٠ تدفقت الى لبنان أموال وفيرة ناتجة من تمويل الانقسام الداخلي في عامي ٢٠٠٥ و٢٠٠٦ وتبعها تدفق الرساميل للجالية اللبنانية ومعها بعض المواطنين من الخليج وبلاد الجوار نتيجة الأزمة المالية العالمية إلى لبنان باعتبار القطاع المصرفـي اللبناني ملاذًا آمنًا لهم.
استطاع القطاع المصرفـي امتصاص الفائض في الأموال واستطاعت السلطة النقدية تحمل هذه التدفقات ودفع كلفتها من خلال ضخ جزء كبير منها في الاقتصاد الاستهلاكي والإسكاني وأيضًا في الاقتصاد المنتج، مع تأكيدنا أن التكلفة كانت عبئًا ثقيلاً على الاقتصاد الوطني منذ عام ١٩٨٠ ولتاريخه.
توسع الافراد والمؤسسات في المديونية وتبعتها زيادة في الرواتب والأجور بحيث حدث خلل كبير في الموازنات سواء لدى الحكومة او المؤسسات او الأفراد.
وبدأت ملامح الاتجاه المعاكس في عام ٢٠١٦، إذ إن العجز المتراكم في ميزان المدفوعات للأعوام السابقة منذ ٢٠١٢ دفع المصرف المركزي الى اتخاذ سياسة تخزين موجودات خارجية بالدولار الأميركي من خلال استقطاب الودائع من المصارف لآجال طويلة تحسبًا من أي ازمة يمكن أن تطال البلاد.
وهذه النظرة الثاقبة انتقدها البعض إذ اعتبرها سببًا للأزمة بدلاً من التحوط لها، والبعض الآخر اعتبرها منفعة لمصارف أو للمصارف بدلاً من سبب لضمان استمرار هذه المصارف عسى أن يأتي اليوم الذي ينعم فيه لبنان بممارسة سياسة وحكم يعيدان الرشد الى إدارة الدولة المهترئة اذ ان الهدف من كل ما جرى من هندسات مالية كان وسيبقى استمرار هيكل الدولة الذي كان ينذر بالسقوط في مرات عديدة وفي أوقات مختلفة. هذه الدولة التي يتوجب عليها تسديد كل ما يستحق عليها ويصعب تحصيل كل ما يعود لها لضعف حوكمتها وإداراتها.
وانفجرت في تشرين الأول/أكتوبر وأقفلت المصارف أبوابها وأربكت الإدارات وظهر الضعف في إدارة الازمات مع الاعتراف بحدة الازمة وصعوبة مواجهتها.
وقد تمثلت الأحمال الثقيلة في ثلاث زوايا رئيسية هي:
١ – تراكض المودعين الى إجراء السحوبات وطلب التحويل الى العملة الأجنبية والى انتقال الأموال إلى الخارج بأعداد ومبالغ يصعب على أي مصرف أو قطاع مواجهته.
٢ – وجود ايداعات للمصارف بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان وهي مجمدة لآجال متوسطة وطويلة، في حين كانت الايداعات لدى المراسلين في الخارج تلبي مواجهة التزامات المصارف في عملياتها العادية وفي الأحوال العادية البعيدة من تراكض المودعين لسحب الأموال.
٣ – تمركز الودائع بحيث إن ما يزيد على ٣٠٪ من الودائع بالعملة الاجنبية هي ما فوق الـ ٥ ملايين دولار للوديعة وتمثل ٠،١٪ من عدد الحسابات وان ٦٠٪ من الودائع هي فوق الـ ٥٠٠ ألف دولار وتمثل ٢٪ من عدد الحسابات.
الأزمة الحالية هي ليست أزمة مصرف أو أزمة قطاع فحسب، بل هي أزمة بلد ووطن ونظام. وبالرغم من ذلك يحاول البعض إيجاد حلول بوصف الأزمة أو رمي الاتهامات من دون الدخول في عمق المعالجة ومن دون الاعتبار أن ما يقوله البعض يحمل مغالطات بنيوية وقانونية وإجرائية أرى من المفيد أو الضروري تعدادها واتخاذ موقف مقابلها وهي:
١– تهريب الأموال: يشار إلى أن عددًا قليلاً من المودعين وربما بعضهم من أصحاب النفوذ هرّب الأموال بالاتفاق مع المصارف وبتسهيل من مصرف لبنان خلال الأزمة.
إذا قصدنا بذلك هروب الأموال فهذا صحيح، أما تهريب الأموال فهذا يتضمن مخالفة قانونية يعاقب عليها الامر الذي لا يتوافر في القانون اللبناني الليبرالي الحر الذي يوصي فيه الدستور حقًا لكل مودع أن يحرك وينقل امواله دون قيد او شرط والامر المخالف للدستور وللقانون ان لا تحول المصارف لمن يريد أمواله الى الخارج، غير أن الازمة حالت دون ذلك للقيود الحاصلة على حجم السيولة الحرة وعلى حجم التراكض على السحوبات لكن ذلك لا ينفي على الاطلاق أن المصارف مسؤولة عن حسن إدارة السحوبات واتخاذ إجراءات يرى المودعون أن مبادئ الإنصاف سادت في تعامل المصارف مع كافة المودعين.
وقد تظهر الأرقام تراجعًا ملحوظاً في حجم الودائع المصرفية تقدر بنحو ١٥ مليار دولار في عام ٢٠١٩، غير ان هذا التراجع لا يعني على الاطلاق حجم التحاويل الخارجية اذ إن التدني في حجم الودائع كان له استعمالات متعددة منها:
أ – سداد الديون تفاديًا لأي قيود يعتقد المودع أنها تصيب الودائع دون القروض، وهي تتجاوز ما مجموعه الـ ٨ مليارات دولار أميركي.
ب – اكتناز الأموال والتي تعتبر طبيعية نتيجة خوف المودعين على تقييد حرية السحوبات وتقدر الاموال الموجودة في جيوب المواطن وفي الخزائن بحدود ٤ مليارات دولار.
ج – زيادة وتيرة التداول بالنقد بدلاً من الشيكات والتحاويل.
د – الاتجاه نحو الصيرفة لتأمين العملات الأجنبية لتسيير الأعمال والتجارة والاستيراد.
إن الاستعمالات المتعددة أعلاه تفوق بأضعاف حجم التحاويل الخارجية، غير أن الأسف الكبير لا ينحصر بحجم السحوبات بقدر ما يصيب شلل القدرة على استقطاب أموال وودائع جديدة.
كما نشير إلى أن القطاع المصرفـي يحمل اليوم أقل من ١٠٠ حساب بما مجموعه ١٠ مليارات دولار، وان المودع الكبير هو عميل مميز والاستجابة الجزئية تعتبر نوعًا من المراعاة لعدم خسارة العلاقة كاملة. اما إذا كان المقصود من التهرب فهو الممارسة الأخلاقية ضمن مبادئ المساواة والإنصاف، فإن العتب يمكنه ان يكون مقبولاً.
٢– ملاحقة التحاويل وإعادة الأموال المحولة من المودعين الكبار: يظهر جليًا أن هناك خلطاً بين تحاويل الودائع والشبهة في الودائع. إذا أردنا إعادة الأموال فلا يمكن ذلك الا إذا كان المال مشبوهاً وإذا كانت كذلك المسؤولية لا تتعلق بتحويل الأموال الى الخارج بل بإيداع الأموال اصلاً في الداخل.
لا يجوز الخلط بين الأموال المشبوهة والحق في تحويل الأموال المشروعة، والا فإننا في إطار معالجة الازمة نكون قد دمرنا ما تبقى من ميزة حرية نقل الأموال والنظام الليبرالي وذلك مع التمسك بضرورة العمل بمبادئ المساواة والإنصاف مع العملاء في حركة انتقال الأموال خلال الازمة الراهنة.
٣– أرقام التحاويل وإعادة أموال المصارف
البعض ذكر أن ٩ حسابات حولت ٢ ملياري دولار وأن المصارف لديها ١١ مليار دولار، وعلى المصارف وهيئة التحقيق الخاصة إعادة هذه الأموال الى لبنان.
هذا الكلام تقنيًا يحمل الكثير من الغلط والخطأ، اذ ان سيولة المصارف بالعملة الأجنبية يجب أن تكون أصلاً خارج البلاد وهي اليوم اذ أودعت معظمها في مصرف لبنان فإن هذا الأخير يودعها خارج البلاد والكلام على إعادة أموال المصارف الى لبنان لا معنى له مصرفيًا أو حسابيًا او إجرائيًا وإذا كانت المشكلة اليوم مستعصية ذلك لأن أموال المصارف في الخارج هي أقل مما تطلبه في مواجهة أزمة بهذا الحجم.
كما ان هذه الارقام سواء الـ ١١ مليارًا أو الـ ٩حسابات بعيدة كل البعد من الأرقام المتوافرة لدينا إحصائيًا ورقابيًا، وما تعداد القول عنها الا سبب إضافـي لإضعاف القطاع في مواجهة الأزمة وزرع عنصر الشك لدى المودعين تجاه مصارفهم.
لا يكفي الوصف بل نريد الإشارة الى أسلوب المعالجة، وهي تأتي على مرحلتين: الأولى في إطار الأزمة لمواجهة حاجات الناس، والأخرى في إطار استعادة الثقة وعودة الأمور الى مسارها الطبيعي.
أولاً: المرحلة الأولى:
كان التركيز من مصرف لبنان وجمعية المصارف على أن الأزمة الحالية ترمي بظلالها على أمرين اثنين: الأول محدودية القدرة على إجراء التحاويل الخارجية والثانية على توفير القطع الأجنبي ولا سيما الأوراق النقدية لدى المصارف بالحجم المطلوب من المودعين ومن القطاعات الاقتصادية المستوردة.
أما باقي الخدمات المصرفية فنرى أن لا مبرر أن نضع قيودًا قاسية عليها ولذلك اتجهت المصارف إلى القيام بما يلي:
أ – تلبية السحوبات من خلال إصدار شيكات مصرفية داخلية وهذا يمكن أن يلبي حاجات المودع والمقترض على حد سواء، إذ إن انتقال الأموال من مصرف الى آخر او استعمال الأموال في امتلاك الموجودات العينية وتمكين المقترض من سداد ديونه تؤدي الى تقليص حجم الميزانية العمومية للقطاع ويخفف من متطلبات كفاية الرأسمال.
ب – الاستمرار في إسداء التسهيلات الائتمانية ضمن حدود الأرصدة المستعملة بتاريخ تشرين الأول/أكتوبر مع مراعاة القدرة على تسديد الأقساط وإعادة برمجتها.
ج – تلبية العملاء في التحاويل الخارجية والأوراق النقدية بالعملة الأجنبية ضمن حدود تبرير الحاجة إليها، ولا سيما من أقساط جامعية أو طبابية او ما شابه.
د– تعزيز استعمال البطاقات ووسائل الدفع الإلكترونية لتخفيف أعباء استعمال النقد في التداول. نحن ندرك أن المرحلة الحاضرة غير معززة بسند قانوني وتبقى عرضة لشكاوى ودعاوى قضائية وتلزمها تغطية بقرار من الحكومة أو ربما بقانون من دون أن يعني ذلك بالضرورة تقييد حركة نقل الأموال بقدر ما ينظم عمل التحاويل وفقًا لما تسمح به السيولة لكل مصرف مع إمكانية تجميد الوديعة تلقائيًا واحترام حاجات المودع الحقيقية في السحب والتحويل.
ثانياً المرحلة الثانية:
وهي المرحلة الأصعب والتي تهدف إلى استعادة الثقة بالنظام وعودة التحاويل الواردة والتي أصيبت بعيوب كثيرة أهمها:
أ– إن المودع تعرض لإهانة في أمواله؛ فقد منع عنه تلبية حاجاته وأصابه الخوف من فقدان مدخراته والكثير من المودعين ليسوا بالضرورة اثرياء بل هم مدخرون لسد حاجاتهم المعيشية في تقاعدهم وبطالتهم، والبعض الآخر اعتبر أن النظام المصرفـي اللبناني الذي واجه أصعب الظروف لم يخل يومًا بتلبية حاجات عملائه وحتى الأثرياء فهم ركيزة أي عمل مصرفـي والحفاظ على ثقتهم هو الحجر الأساس لأي عمل مصرفـي صحيح.
ب – إن الفارق الحاصل في سعر صرف العملات الأجنبية تضع حتى أبناء الجالية اللبنانية إلى الابتعاد عن تحويل الأموال الى المصارف وعمدت إلى إرسال المبالغ النقدية المباشرة إلى ذويهم للاستفادة من صرفها بأسعار أعلى لها والاحتفاظ بمدخراتهم خارج القطاع المصرفـي اللبناني.
ولا بدَ في المرحلة الثانية من إجراءات عملية تعيد الثقة ولدينا أفكار وخطط متعددة، غير أن ذلك يجب أن يسبقه اختراق سياسي يتمثل بحكومة قوية تحظى بثقة بيوت المال الدولية والمصارف المركزية.
ج – نذكر أن حركة نقل الأموال من لبنان الى الخارج بدأت مع الحرب اللبنانية، والمصارف اللبنانية اعتادت مع كل أزمة سياسية خروج أموال ومع كل ارتياح سياسي عودة الأموال وما وجود المصارف اللبنانية في ٢٧ دولة خارجية، ولا سيما في العواصم الأوروبية مثل سويسرا وفرنسا وانكلترا، الا لأجل متابعة حركة الأموال اللبنانية ونأسف أننا نواجه اليوم أزمة يصعب طي صفحتها سريعًا والأمل بعودة الأموال الا إذا صار الارتياح السياسي ثابتًا ومتجاوزًا التوقعات.
د– حجم الكتلة النقدية يفوق بأضعاف حجمها في الفترات السابقة والمصرف المركزي لا يمكنه أن يضطلع بدور مصرف الإصدار بالعملة الأجنبية بل مصرف الاحتياط. وفي غياب حركة التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية، لا يمكن المصرف المركزي التساهل في صرف موجوداته الخارجية بالعملات الأجنبية.
وعليه، فإن أفق الحلول من وجهة نظرنا يكون ضمن الأطر التالية:
١– حدوث اختراق سياسي كبير يتمثل بحكومة تحظى بثقة الداخل والخارج لمخاطبة بيوت المال الدولية والمصارف المراسلة ووكالات التصنيف الدولية. حكومة تتمتع بصلابة وكفاءة ونظافة.
٢– التوجه نحو إدارة صحيحة للموازنة السنوية ولميزان المدفوعات، إذ ان استعادة الدولة لتحصيل إيراداتها في ظل اقتصاد منهك أمر في غاية الصعوبة في وقت لا تستطيع فيه الدولة أن تخفض نفقاتها الا بهوامش ضيقة جدًا. أما ميزان المدفوعات فقد يكون للأزمة مساهمة في ضبط العجز ليس من باب زيادة التدفقات الواردة بل لتراجع العجز التجاري نظرًا لصعوبة الاستيراد مع ما يمكن أن ينعكس ذلك على نقص في مخزون المواد والبضائع.
٣– التمسك بمبدأ ثبات سعر الصرف ولو من خلال قبول السوق الموازي لفترة معينة، إذ إن ارتفاع سعر الصرف لن ينتج منه اي افادة سوى الاضطراب الاجتماعي. فالتزامات المصارف تجاه المودعين هي بمعظمها بالعملة الأجنبية والتزامات المؤسسات الاقتصادية تجاه المصارف هي بمعظمها بالعملة الأجنبية.
٤– اعتراف الدولة ان مسؤولية استعادة الثقة والحفاظ على أموال الناس والمودعين هي على عاتقها وان ديونها تجاه مصرف لبنان بالليرة اللبنانية هي اصلاً استعملت لتغطية حاجاتها بالعملات الاجنبية وعلى الدولة استبدالها بسندات خزينة بالعملة الأجنبية ليتمكن مصرف لبنان من تسييلها وتوفير العملات الاجنبية للمودعين والاقتصاد على حد سواء.
٥– رسم ميزانية عمومية للدولة بأسرع وقت لتبيان حجم الموجودات المادية وغير المادية لأجل دراسة إدارتها وتحسين ريعيتها، وتاليًا تحديد مصادر تسديد الديون التي أخذتها على عاتقها ومخاطبة المجتمع الدولي المالي والاقتصادي لتعزيز صورة لبنان المالية.
٦– إعادة النظر بحجم القطاع وعدد المصارف، لكن ذلك يبقى مؤجلاً إلى حين بلورة الأوضاع كاملة.
وأخيرًا، من حمى الدولة بأمواله وجب على الدولة أن تعيد أمواله.

